أسبابه وعلاجه وكيف تتخذ قرارات سديدة

ملاحظة: هذا المقال مأخوذٌ عن المدوِّن “فلاد دوليزال” (Vlad Dolezal)؛ ويُحدِّثنا فيه عن سلوك تبرير القرارات الخاطئة، وأسبابه، وكيفية التغلب عليه واتخاذ قرارات سديدة.

أسباب استخدام المنطق لتبرير القرارات والأفعال الخاطئة:

يميل الأفراد عموماً إلى تبرير قراراتهم بمجموعة من الحجج والمسوغات المنطقية طوال الوقت، ويساعدك المقال على ملاحظة هذه السلوكات في حياتك اليومية، وتحديد الدوافع والأسباب الحقيقية الكامنة خلف قراراتك، وكيفية الاستفادة من هذه المعلومات في اتخاذ قرارات عقلانية.

فيما يأتي سببان لاستخدام المنطق في تبرير القرارات:

1. الحفاظ على مشاعر القيمة الذاتية والثقة بالنفس:

على فرض أنَّك ذهبت إلى متجر إلكترونيات، وأقنعك البائع بشراء أداة تقدم عدداً كبيراً من الميزات التي لا تحتاج إليها بالأساس، وإذا سألك أحد معارفك عن سبب ابتياعك لها، فإنَّك ستشرح له ميزاتها بحماسة، وعلى الأرجح ألَّا تستخدم الأداة بعد أن تجرب ميزاتها أول مرة، وهذا يعني أنَّ سبب شراء الأداة لا يعود إلى ميزاتها؛ بل إلى رغبتك باقتنائها نتيجة التهيج العاطفي الذي انتابك في المتجر، وعندما يحاول أحدهم التشكيكَ بصحة قرارك، فإنَّك ستشرح له ميزات الآلة لتثبت أنَّ قراراتك صائبة.

2. التمسك بصورة الإنسان العقلاني والمنطقي:

يشعر الإنسان بالرضى عندما ينسب تصرفاته وقراراته إلى التفكير العقلاني، ويبرز بوصفه إنساناً منطقياً ومُتعقلاً في اتخاذ القرارات.

من الطبيعي ألَّا تتقبل هذا الافتراض في بداية الأمر، وقد يزعجك بشدة، لكنَّك يجب أن تكون منفتحَ الذهن، وتضعه في الحسبان، وتنظر في قراراتك السابقة والدوافع الكامنة خلفها علَّك تقتنع بصحة هذا الافتراض.

تعتمد عملية اتخاذ القرار على عاملي المنطق والعاطفة في آنٍ معاً، ما يعني أنَّه لا يوجد قرار عقلاني بالمطلق ولا قرار متهور وعاطفي بالمطلق.

إذا سألتَ أحد مستخدمي نظام التشغيل “لينكس” (Linux) عن سبب اختياره لهذا النظام، فإنَّه سيقص عليك مجموعة من الأسباب المنطقية ويشرح لك مميزاته على الشكل الآتي:

  • آمن.
  • مجاني.
  • مفتوح المصدر.

ليست هذه الأسباب الحقيقية الكامنة وراء شعبية نظام “لينكس” على الرغم من كونه آمناً ومجانياً بالفعل، ويتيح إمكانية تعديل التعليمات البرمجية المكتوبة بلغة المصدر بما يتناسب مع حاجات المستخدم، وفيما يأتي الأسباب الحقيقية التي تدفعني لاستخدام نظام “لينكس”:

  • توفر إمكانية تعديل النظام وإصلاحه من قبل المستخدم.
  • تعدد الخيارات المتاحة للمستخدم.
  • الشعور بالتميز؛ بسبب استخدام نظام تشغيل غير شائع بين عامة الأفراد.
  • استخدام سطر الأوامر ممتع بالنسبة إلى المستخدم.

من الطبيعي أن يجعلك هذا السبب تشعر بالاضطراب والانزعاج؛ لأنَّه مرتبط بصورتك الذاتية، وقد ترفض هذا الافتراض وتأبى المساس بصورتك الذاتية في بداية الأمر، ولكن عليك أن تضعه في الحسبان، وتنظر في قراراتك وأفعالك، وتقتنع بأنَّه يمكن أن يكون صحيحاً بناءً على تجربتك الشخصية.

شاهد بالفديو: 7 طرق لتحسين مهارة اتخاذ القرار

 

العوامل التي تؤثر فعلياً في عملية اتخاذ القرار:

فيما يأتي 3 أسئلة يجب وضعها في الحسبان:

  1. لمَ يقود الرجال الدراجات النارية أكثر من النساء؟
  2. لمَ يشارك الرجال في الرياضات الجماعية أكثر من النساء؟
  3. لماذا يهتم الرجال بالأدوات التقنية في حين تميل النساء للتركيز على الأزياء؟

فيما يأتي أجوبتي الشخصية عن هذه الأسئلة، وهي غير مبنية على المنطق، وقد لا يوافق عليها بعضهم:

1. بسبب حاجة الرجال البيولوجية للشعور بالحرية، وهي تفوق حاجة النساء، ويشعر الرجال بالمتعة عند القيام بالنشاطات التي تشعرهم بالحرية مثل قيادة الأحصنة، و”الباركور” (parkour)، في حين لا تهتم النساء بهذه النشاطات، وتُعَد حاجة الحرية من الأسباب التي تدفع مزيداً من الرجال لاستخدام نظام تشغيل “لينكس” برأيي.

2. ثمة حاجة غريزية للمنافسة عند الرجل؛ لتحديد معدنه ومستوى رجولته مقارنةً مع بقية أفراد جنسه، واعتاد الرجال في الماضي على القتال بغية فرض السيطرة والسلطة على بعضهم، وعلى الرغم من أنَّ المجتمعات البشرية تطورت وتحضرت إلَّا أنَّ غريزة المنافسة ما زالت موجودة؛ إذ يلجأ الرجال في العصر الحديث إلى الرياضات وغيرها من أشكال المنافسة المتحضرة تلبيةً لحاجة المنافسة الغريزية عندهم.

3. ليس ثمة جواب وافٍ.

يُستنتَج من الأجوبة السابقة أنَّ بعض قرارات وأفعال المرء لا تستند إلى أسباب منطقية.

يحتاج الإنسان أن يشعر بأنَّه هام، وجذاب، ومرغوب، وراضٍ عن نفسه، وتؤثر هذه الحاجة في القرارات التي يتخذها؛ وهذا يعني أنَّ العواطف تتحكم في معظم قرارات الإنسان.

يبحث الإنسان عن مبررات منطقية لتلبية هذه الاحتياجات الغريزية، ويأبى أن يعترف بالأسباب الحقيقية، ويميل بعضهم لشراء السيارات الفارهة بغية نيل إعجاب الآخرين والشعور بالترف والقيمة الذاتية، ولكنَّهم ينكرون هذه الدوافع أو يتذرعون بحجج منطقية لتبرير قراراتهم، وقد تقرر شراءَ غرض باهظ الثمن، وتختار المتجرَ بشكل منطقي، ثم تحدد العوامل التي تساعدك على اتخاذ القرار المناسب بما يقتضيه المنطق وتحرص على إنكار عامل العاطفة على الرغم من كونه المحرك الأساسي لقرارك، ثم تقوم في النهاية بدراسة ميزانيتك والمبلغ الذي تستطيع دفعه بمنتهى العقلانية، ويعتمد المبلغ المدفوع على مقدار القيمة والمكانة الناجمة عن ابتياع الغرض، وهو دافع بعيد كل البعد عن المنطق والعقل، لهذا السبب ينكره الفرد.

تتسم عمليات التفكير واتخاذ القرار عند الإنسان بالتعقيد الشديد، ويتم اتخاذ القرارات بالاعتماد على كل من المنطق والعواطف في آنٍ معاً، وتجدر الإشارة إلى أنَّ العواطف؛ هي المحرك الأساسي لعملية اتخاذ القرار.

كيف تتخذ قرارات صائبة؟

تزداد قدرة الإنسان على اتخاذ القرارات العقلانية عندما يدرك تأثير عواطفه في قراراته ويتقبل حقيقة أنَّه ليس عقلانياً بالمطلق.

يجب أن تدرك أنَّ عواطفك تتحكم بقراراتك، وتحاول استخدام تأثير العواطف لمصلحتك؛ لذا يُستنتَج مما سبق أنَّ العواطف هامة ومسيطرة في حياة الفرد، فضلاً عن أنَّ شعورك تجاه الغرض الذي اشتريته بعد أسبوع، أو شهر من الآن يفوق أهمية شعورك بالرغبة والحاجة لامتلاكه في الوقت الراهن.

على سبيل المثال، اعتدتُ شخصياً أن أتناول الحلوى على الدوام، لكنَّني لاحظت بعد مدة أنَّها تزعجني وتسبب لي الضيق، والخمول، وتهيج المعدة، وكانت تبدأ الأعراض المزعجة بعد حوالي نصف ساعة من تناول الحلوى وتستمر لبقية اليوم، وهذا يعني أنَّ تناول الحلوى بحد ذاته يحفز مشاعر اللذة لمدة وجيزة، ولكنَّه يزعجني لبقية اليوم، ومن ثم من غير المنطقي أن أتناول الحلوى وأزعج نفسي لبقية اليوم من أجل شعور مؤقت باللذة، وهكذا يمكنك أن تستخدمَ المنطق للتحكم بقراراتك.

جرى نقاش عن مدى وعي الفرد وقدرته على التحكم بقراراته خلال صف الفلسفة بالمدرسة الثانوية، وعندها أردتُ أن أثبت للحاضرين وجهة نظري ولوَّحتُ بيدي أمام وجه صديقي ثم رمش بعينه، وعندها توجهتُ لكامل الصف وقلت: “لقد رمش بعينه، لا يمكن أن يتحكم الفرد بردود فعله، ولا بدَّ أن ترمش عندما يلوح أحدهم بيده أمام وجهك”، فضحك الجميع وطلب مني صديقي أن نعيد التجربة مرة أخرى، ثم لوَّحتُ بيدي أمام وجهه مجدداً لكنَّه لم يرمش هذه المرة.

أدركتُ حينها أنَّ الإنسانَ قادرٌ على التحكم في سلوكاته التلقائية، وتقتضي الخطوة الأولى لضبط السلوكات التلقائية والقرارات غير الواعية إدراكها، أي يجب أن تلاحظ القرارات التلقائية غير الواعية حتى تستطيع ضبطها وتغييرها، وسوف ترمش عينا صديقي عندما ألوح بيدي أمام وجهه، وعلى الأرجح أن يبدي رد الفعل ذاته عند تكرار التجربة لعدة مرات قبل أن يدرك ما يحدث ويتخذ قراراً واعياً بالتوقف عن الرمش، وهذا يعني أنَّه كان يرمش بصورة لا واعية، ويتخذ قراراته بشكل تلقائي دون وعي منه.

الوعي هام جداً لتحقيق التنمية الشخصية وإجراء التغييرات الهادفة في الحياة.

يمكنك أن توقف سلوك تبرير القرارات وإثبات صحتها بالحجج المنطقية، وتتعلَّم من أخطائك، وتتفاداها في المستقبل، ولكن يجب عليك في البداية أن تدرك هذا السلوك، وبالعودة إلى مثال البائع الذي يقنعك بشراء الأداة الإلكترونية ثم تكتشف عند وصولك للمنزل أنَّك لا تحتاج إليها ولا يمكنك أن تستفيد منها، وفي حال أنكرت خطأك وبحثت عن أسباب تثبت صحة قرارك، فإنَّك على الأرجح ستقع ضحية القلق المرافق لحالة “التنافر المعرفي” (cognitive dissonance) الذي يحدث عندما يمتلك الفرد قَناعتين متناقضتين:

  1. أنا أتخذ قرارات عقلانية.
  2. لا يمكنني الاستفادة من الأداة التي ابتعتها.

سوف تضطر للبحث عن أسباب منطقية تبرر شراءك للأداة عندما تأبى الاعتراف بتأثير العواطف في عملية اتخاذ القرار وتصر على أنَّك إنسان عقلاني، وعندها ستبدأ بتعداد ميزات الأداة لكي تقنع عقلك الواعي بصحة قرارك، ولكنَّك لن تضطر إلى البحث عن هذه الميزات عندما تدرك سلوك تبرير القرارات الخاطئة، وسوف تعرف أنَّك اتخذت قراراً غير عقلاني بالاعتماد على عواطفك، وتعترف بأنَّ الأداة لن تفيدك بشيء، وتفكر بالبائع الذي أقنعك بشرائها، وتعترف بخطئك وتحرص على عدم تكراره في المستقبل، وهذا يعني أنَّك تعلمتَ من خطئك.

شاهد بالفديو: نصائح للتخلّص من التردد في اتخاذ القرارات

 

التأثير في الآخرين:

أنا لا أتحدث هنا عن التأثير السلبي في الآخرين، أو السلوكات التي يتبعها المسوقون لإقناع الزبائن بشراء منتجات لا يمكنهم الاستفادة منها، فالتأثير في الآخرين سلاح ذو حدَّين يعتمد على نية الفرد؛ وهذا يعني أنَّه يمكن أن يُستخدَم لأهداف نبيلة أو مؤذية.

يتخذ الإنسان قراراته بناءً على رغبته الشخصية، لهذا السبب يجب أن تضع في ذهنك الأفكار الآتية عندما تحاول التأثير في الآخرين:

  • لا يتخذ الفرد قراراته بناءً على احتياجاته.
  • لا يتخذ الفرد قراراته بناءً على رأيك باحتياجاته.
  • لا يتخذ الفرد قراراته بناءً على رأيك برغباته.
  • يتخذ الفرد قراراته بناءً على رغباته.

لا يمكنك أن تقنع المراهق المتهور بالإقلاع عن التدخين بطريقة مناقشته بمخاطر التدخين على الصحة على الأمد الطويل، وتكلفته المرتفعة ومشكلات الإدمان، ويجب عليك أن تحدد رغباته وتقنعه بناءً عليها، فقد تخبره بأنَّ رائحة ملابسه ستكون مقززة بسبب التدخين وتجعل شريكه أو ربما أصدقاءه ينفرون منه.

إذا أردت أن تساعد أحدهم على إحداث تغيير إيجابي في حياته، فعليك تفهُّم رغباته وموقفه في الوقت الراهن، وقد يصعب على الفرد تفهم وقبول حاجته إلى إجراء بعض التغييرات في حياته في وضعه الراهن؛ لهذا السبب يجب عليك أن تقنعه عبر صياغة أسباب توافق رغباته الحالية.

Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى