الأنظمة الغذائية في خطر ولكنها خذلت البشرية أيضاً

لكنَّ نظم الغذاء لدى الإنسان غالباً ما تضع الكمية على حساب الجودة، وهذا يثير مجموعة من المخاوف الصحية والبيئية، حسب قول الخبراء، ومع قرب مؤتمر قمة الأمم المتحدة لنظم الغذاء المقرر عقده، إليك هذا المقال عن الأنظمة الغذائية وكيف خذلت البشرية، وهل هي في خطر حقاً؟ تابع معنا.

كيف خذلت الأنظمة الغذائية البشرية؟

نظام الغذاء العالمي ليس بالصفقة الرخيصة التي يبدو عليها، فيمكن أن تحجب التكلفة المنخفضة للطعام الصناعي تكلفته البيئية العالية جداً، ووفقاً لبعض التقديرات، تكلف الزراعة التقليدية – التي تنتج انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتلوث الهواء والماء، وتدمر الحياة البرية – البيئة بنحو 3 تريليون دولار سنوياً.

التكاليف الخارجية، مثل الأموال المطلوبة لتنقية مياه الشرب الملوثة أو لعلاج الأمراض المتعلقة بسوء التغذية، غير محسوبة أيضاً من قبل الصناعة، وهذا يعني أنَّ المجتمعات والمكلفين قد يتحملون التكاليف دون إدراك ذلك.

نظام الغذاء العالمي يمكن أن يسهم في انتقال الفيروسات من الحيوانات إلى البشر:

بينما يوفر التنوع الوراثي للحيوانات مقاومة طبيعية للأمراض، يمكن أن تؤدي تربية الماشية المكثفة إلى إنتاج تشابه وراثي داخل القطعان والمواشي، وهذا يجعل الحيوانات أكثر عرضة للأمراض، وعندما يتم الاحتفاظ بها قريباً من البشر، يمكن أن تنتشر الفيروسات بسهولة بينها، ويمكن أيضاً أن تعمل تربية الماشية المكثفة بوصفها جسراً لمسببات الأمراض، وهذا يسمح لها بالانتقال من الحيوانات البرية إلى الماشية ومن ثم إلى البشر.

نظام الغذاء العالمي قد تم ربطه بالأمراض الوبائية الحيوانية:

إنَّ إفساح المجال للزراعة وتحريك المزارع إلى أماكن أقرب إلى المراكز الحضرية، قد يؤدي إلى تدمير الحواجز الطبيعية التي تحمي البشر من الفيروسات المتنقلة بين الحيوانات البرية، ووفقاً لتقييم برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يؤثر التغير المناخي والطلب المتزايد على البروتين الحيواني أيضاً في ظهور ما يعرف بالأمراض الوبائية الحيوانية.

يعزز النظام الغذائي العالمي مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية:

إضافة إلى الوقاية وعلاج الأمراض، تُستخدَم المضادات الحيوية بشكل شائع لتسريع نمو الماشية، ومع مرور الوقت، تطوَّرت الميكروبات المقاومة، وهذا يجعل المضادات الحيوية أقل فاعلية بوصفها علاجاً، وفي الواقع، يموت نحو 700,000 شخصاً سنوياً بسبب العدوى المقاومة.

بحلول عام 2050، قد تتسبب هذه الأمراض في مزيد من الوفيات، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تهدد مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية “إنجازات الطب الحديث” وقد تسبب “عصراً بعد الأنتيبايوتيك، يمكن أن تقتل فيه العدوى الشائعة والإصابات الطفيفة البشر”.

شاهد بالفديو: 10 طرق سهلة لتكون صديقاً للبيئة

 

استخدام النظام الغذائي العالمي للمبيدات قد يكون سبباً في مرض الناس:

يتم استخدام كميات كبيرة من الأسمدة الكيميائية والمبيدات لزيادة العائد الزراعي، ويمكن أن يتعرض البشر لهذه المبيدات السامة بشكل محتمل من خلال الطعام الذي يتناولونه، وهذا يسفر عن تأثيرات صحية سلبية، وقد ثبت أنَّ بعض المبيدات تعمل بوصفها مشوِّهات هرمونية، وهذا يؤثر في وظائف الإنجاب، ويزيد من حدوث سرطان الثدي، ويسبب أنماط نمو غير طبيعية وتأخيراً في التطور لدى الأطفال، وتغيراً في وظيفة الجهاز المناعي.

النظام الغذائي العالمي يلوث المياه والتربة ويؤثر في صحة الإنسان:

تؤدي الزراعة دوراً كبيراً في التلوث، فيتم إطلاق حجم كبير من الفضلات والمواد الكيميائية والمضادات الحيوية وهرمونات النمو في مصادر المياه، وهذا يشكل خطراً على كل من النظم البيئية المائية وصحة الإنسان، وفي الواقع، يمكن أن تتسبب أكثر الملوثات الكيميائية شيوعاً في الزراعة، مثل النيترات، في “متلازمة الطفل الأزرق”، التي قد تؤدي إلى وفاة الرضع.

اتهم النظام الغذائي العالمي بوباء البدانة والأمراض المزمنة:

تنتج الزراعة الصناعية في الغالب محاصيل السلع، التي تُستخدم بعد ذلك في مجموعة متنوعة من الأطعمة الرخيصة والمليئة بالسعرات الحرارية والمتاحة على نطاق واسع؛ ونتيجة لذلك، يُستمد 60% من إجمالي الطاقة الغذائية من ثلاث محاصيل حبوب فقط، هي الأرز والذرة والقمح.

على الرغم من أنَّها قد خفضت بشكل فعَّال نسبة الجوعى، إلا أنَّ هذه النهج القائمة على السعرات الحرارية تفشل في تلبية التوصيات الغذائية، مثل تلك المتعلقة بتناول الفواكه والخضروات والبقول، فازدادت شعبية الأطعمة المعالجة والمعبأة والمحضرة في جميع المجتمعات تقريباً، وعلى مستوى العالم، تزداد حالات البدانة أيضاً، وكثيرون يعانون من أمراض يمكن تجنبها غالباً ترتبط بالنظام الغذائي، مثل أمراض القلب والسكتة الدماغية والسكري وبعض أنواع السرطان.

النظام الغذائي العالمي يعزز عدم المساواة:

على الرغم من أنَّ المزارع الصغيرة تشكل 72% من إجمالي المزارع، إلا أنَّها تحتل فقط 8% من إجمالي الأراضي الزراعية، وعلى النقيض، تحتل المزارع الكبيرة – التي تمثل فقط 1% من مزارع العالم – 65% من الأراضي الزراعية، وهذا يمنح المزارع الكبيرة سيطرة غير متناسبة، ولا يوجد حافز كبير لتطوير التقنيات التي يمكن أن تفيد المزارعين ذوي الموارد الضعيفة، ومن ذلك تلك في الدول النامية.

في الطرف الآخر من سلسلة التوريد الغذائي، يمكن أن يكون الطعام الذي يمكن للفقراء تحمُّل تكاليفه غنياً بالطاقة ولكن غالباً ما يكون فقيراً بالعناصر الغذائية، فقد يؤدي نقص العناصر المغذية الدقيقة إلى التأثير في النمو العقلي، وتقليل المقاومة للأمراض، وزيادة مخاطر الولادة المبكرة، وفي النهاية، التأثير في إنتاجية الاقتصاد، فيكون الفقراء على وجه الفعل في موقف غير ميسور سواء بصفتهم منتجين أم مستهلكين.

الأنظمة الغذائية في خطر:

النظام الغذائي العالمي مهدد بعدة عوامل تشكل تحديات كبيرة للاستدامة والصحة العامة، ومن ذلك:

1. التغير المناخي:

تؤثر زيادة درجات الحرارة، والتقلبات المناخية، والأحداث الجوية المتطرفة في إنتاج المحاصيل وتقليل كفاءة الإنتاج الزراعي.

2. تراجع التنوع البيولوجي:

يقلل فقدان التنوع البيولوجي في المحاصيل والحيوانات من مرونة النظام الغذائي ويجعلها أقل قدرة على التكيف مع التحديات البيئية.

3. الاستخدام غير المستدام للموارد:

يؤدي الاستهلاك الكبير للمياه واستخدام كميات هائلة من المبيدات والأسمدة إلى نفاذ الموارد الطبيعية.

4. تلوث المياه والتربة:

يؤثر إدراج المواد الكيميائية الزراعية في المياه والتربة في البيئة ويؤدي إلى مشكلات صحية.

5. استهلاك موارد الطاقة:

يتطلب إنتاج ونقل الطعام كميات هائلة من الطاقة، وهذا يسهم في انبعاثات الغازات الدفيئة.

6. التخلِّي عن التقاليد الزراعية القائمة على المجتمعات المحلية:

قد يؤدي التحول إلى أساليب زراعية صناعية إلى فقدان الثقافة الزراعية المحلية وتهديد مصادر الطعام التقليدية.

7. عدم المساواة في الوصول إلى الغذاء:

ثمة تفاوت كبير في الوصول إلى الغذاء بين البلدان وداخلها، الأمر الذي يتسبب في عدم تحقيق التغذية الكافية للجميع.

8. التحديات الصحية:

زيادة انتشار الأمراض المرتبطة بنمط الحياة الغذائي، مثل السمنة والأمراض المزمنة، تضع ضغوطات على نظام الرعاية الصحية.

تتطلب معالجة هذه التحديات تحولات في السياسات الزراعية والبيئية، إضافة إلى التفاعل العالمي لتحسين استدامة الإنتاج الغذائي وتحقيق توازن بين الاحتياجات البشرية والحفاظ على البيئة.

شاهد بالفديو: أنواع التلوث البيئي وطرق علاجه

 

الأنظمة الغذائية تتجاوز الحدود البيئية:

لقد قام النظام الغذائي العالمي بتغيير جوهري لكوكبنا ولقاعدة الموارد التي يعتمد عليها الإنسان، فإنَّ إنتاج الطعام مسؤول بنسبة تقريبية عن ربع الانبعاثات الغازية الدفيئة كلها؛ لذا يُعَدُّ من المسببات الرئيسة لتغير المناخ، وتشغل الزراعة أكثر من ثلث سطح الأرض الصلبة، وأدت إلى انخفاض تغطية الغابات وفقدان التنوع البيولوجي، كما أنَّ الزراعة تستخدم أكثر من ثلثي مجموع موارد المياه العذبة، وتصب مخلفات التسميد والصناعات الغذائية المفرطة في بعض المناطق في المحيطات.

دون جهد مشترك، قُدِّرَ أن يزيد الضغط البيئي للنظام الغذائي بنسبة 50-90% بحلول عام 2050 نتيجة لنمو السكان واستمرار تغييرات نمط الحياة نحو النمط الغربي، وفي ذلك الوقت، ستتجاوز هذه الضغوطات البيئية حدود الكوكب الرئيسة التي تحدد فضاءً آمناً للإنسان.

سيزيد تجاوز حدود الكوكب من خطر تقلب النظم البيئية الأساسية، ومن بين الآثار الأخرى، يمكن أن تؤدي إلى مستويات خطيرة من تغير المناخ مع زيادة في حدوث الظواهر الجوية المتطرفة، والتأثير في وظيفة النظم الغابية والتنوع البيولوجي، والتسبب في اضطرابات في تدفق المياه مع تأثيرات في الدورة الهيدرولوجية العالمية، وتلويث الأجسام المائية بحيث يؤدي إلى زيادة في المناطق “الميتة” في المحيطات نتيجة نقص الأوكسجين.

في الختام:

يتبادر إلى الذهن أنَّ الأنظمة الغذائية الحالية تعد في خطر، فقد فشلت في تلبية تحدياتنا الصحية والبيئية، ورغم أنَّها ساهمت في القضاء على الجوع لدى بعض البشر، لكنَّها خذلت معظمنا من خلال زيادة حالات السمنة والأمراض المزمنة؛ لذا ينبغي علينا الآن التفكير بجدية في تحديث هذه الأنظمة، والتوجه نحو اعتماد نماذج أكثر استدامة وتوازناً بين الصحة البشرية ورفاهية كوكبنا، وبالعمل المشترك، يمكننا تحقيق تغيير إيجابي يعود بالنفع على صحتنا وصحة الأرض التي نعيش عليها.

Source link

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى