الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لشاه ولي الله الدهلوي


الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف لشاه ولي الله الدهلوي

 

صدر حديثًا طبعة منقحة من كتاب: “الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف”، تأليف: الإمام “ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي” (1114 – 1176 هـ)، تحقيق وتعليق: “أنور حسين طالب”، نشر: “دار الفاتح للنشر والتوزيع”.

 

وهي رسالة قيمة مختصرة جمعت معارف قيمة في تاريخ التشريع ونشوء الخلاف الفقهي، وتعتبر من أفضل وأهم ما كُتِبَ في موضوع اختلاف العلماء في المسائل الفقهية بدءًا من الصحابة والتابعين ووصولًا إلى المذاهب الأربعة المتبعة. وفي الرسالة من التقريرات والتسديدات العلمية في مسائل الاجتهاد والتقليد، وبيان التغير الطارئ على العالم الإسلامي في القرون الأخيرة من تطور التقليد والتقيد بالمذاهب إلى مرحلة هجر الدليل، مع حجر الإجتهاد، وحرمة الخروج عن منصوص أئمة المذاهب، وإن كان صادرًا عن دليل صريح صحيح.

 

يقول الكاتب في سبب تأليف الرسالة:

أما بعد فَيَقُول الْفَقِير إِلَى رَحْمَة الله الْكَرِيم ولي الله بن عبد الرَّحِيم أتم الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا نعمه فِي الأولى وَالْأُخْرَى: إِن الله تَعَالَى ألْقى فِي قلبِي وقتًا من الْأَوْقَات ميزانًا، أعرف بِهِ سَبَب كل اخْتِلَاف وَقع فِي الْملَّة المحمدية على صَاحبهَا الصَّلَوَات والتسليمات، وَأعرف بِهِ مَا هُوَ الْحق عِنْد الله وَعند رَسُوله، ومكنني من أَن أبين ذَلِك بَيَانا لَا يبْقى مَعَه شُبْهَة وَلَا إِشْكَال، ثمَّ سُئِلت عَن سَبَب اخْتِلَاف الصَّحَابَة، وَمن بعدهمْ فِي الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة خَاصَّة، فانتدبت لبَيَان بعض مَا فتح عَليّ بِهِ ساعتئذ، بِقدر مَا يَسعهُ الْوَقْت ويحيط بِهِ السَّائِل، فَجَاءَت رِسَالَة مفيدة فِي بَابهَا وسميتها “الإنصاف فِي بَيَان أَسبَاب الِاخْتِلَاف”، وحسبي الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم”.

وتنقسم الرسالة إلى مقدمة وعدة أبواب على النحو التالي:

مقدمة في سبب تأليف الرسالة.

باب أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع.

باب أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء.

باب أسباب الاختلاف بين أهل الحديث وأصحاب الرأي.

باب حكاية حال الناس قبل المائة الرابعة، وبيان سبب الاختلاف بين الأوائل والأواخر في الانتساب إلى مذهب من المذاهب وعدمه، وبيان سبب الاختلاف بين العلماء في كونهم من أهل الاجتهاد المطلق، أو أهل الاجتهاد في المذهب، والفرق بين هاتين المنزلتين.

باب حكاية ما حدث في الناس بعد المائة الرابعة.

وقد بين الكاتب في رسالته أن سبب اختلاف الناس في القرون الأخيرة ما أدخله المتكلمة وأهل الفرق الضالة من تضليل في مجال الاجتهاد، حيث يقول: “وَوجدت بَعضهم يزْعم أَن بِنَاء الْمَذْهَب على هَذِه المحاورات الجدلية المبسوطة فِي مَبْسُوط السَّرخسِيّ وَالْهِدَايَة والتبيين وَنَحْو ذَلِك، وَلَا يعلم أَن أول من أظهر ذَلِك فيهم الْمُعْتَزلَة، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بِنَاء مَذْهَبهم، ثمَّ استطاب ذَلِك الْمُتَأَخّرُونَ توسعًا وتشحيذًا لأذهان الطالبين، أَو لغير ذَلِك وَالله أعلم، وَهَذِه الشُّبُهَات والشكوك ينْحل كثير مِنْهَا بِمَا مهدناه فِي هَذَا الْكتاب.

وَوجدت بَعضهم يزْعم أَن هُنَاكَ فرْقَتَيْن لَا ثَالِث لَهما: الظَّاهِرِيَّة وَأهل الرَّأْي، وَأَن كل من قَاس واستنبط فَهُوَ من أهل الرَّأْي، كلا.. بل لَيْسَ المُرَاد بِالرَّأْيِ نفس الْفَهم وَالْعقل، فإن ذَلِك لَا يَنْفَكّ من أحد من الْعلمَاء، وَلَا الرَّأْي الَّذِي يعْتَمد على سنة أصلًا، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَحِلهُ مُسلم الْبَتَّةَ، وَلَا الْقُدْرَة على الاستنباط وَالْقِيَاس، فان أَحْمد وَإِسْحَق بل الشَّافِعِي أَيْضًا لَيْسُوا من أهل الرَّأْي بالِاتِّفَاقِ، وهم يستنبطون ويقيسون، بل المُرَاد من أهل الرَّأْي قوم توجهوا بعد الْمسَائِل الْمجمع عَلَيْهَا بَين الْمُسلمين، أَو بَين جمهورهم، إِلَى التَّخْرِيج على أصل رجل من الْمُتَقَدِّمين، وَكَانَ أَكثر أَمرهم حمل النظير على النظير، وَالرَّدّ إِلَى أصل من الْأُصُول، دون تتبع الْأَحَادِيث والْآثَار.

والظاهري من لَا يَقُول بِالْقِيَاسِ وَلَا بآثار الصَّحَابَة كداود وَابْن حزم وَبَينهمَا الْمُحَقِّقُونَ من أهل السّنة كأحمد وَإِسْحَق”.

وبين الكاتب أن اختلاف الفقهاء من الصحابة والتابعين كان في الفروع دون أصول المسائل، وفي الترجيح بين الأقوال “فالْحق أَن أَكثر صور الْخلاف بَين الْفُقَهَاء لَا سِيمَا فِي الْمسَائِل الَّتِي ظهر فِيهَا أَقْوَال الصَّحَابَة فِي الْجَانِبَيْنِ: كتكبيرات التَّشْرِيق، وتكبيرات الْعِيدَيْنِ، وَنِكَاح الْمحرم، وَتشهد ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود، والإخفاء بالبسملة، وبآمين، والإشفاع والإيتار فِي الإقامة، وَنَحْو ذَلِك، إنما هُوَ فِي تَرْجِيح أحد الْقَوْلَيْنِ”.

وبين الكاتب أن هذا انعكس على غلبة ظلمة الجمود الفقهي، وغياب الاستنباط وكثرة الحشو على تقريرات الأوائل في الوقت الحالي، فيقول: “وفتنة هَذَا الْجِدَال وَالْخلاف والتعمق قريبَة من الْفِتْنَة الأولى، حِين تشاجروا فِي الْملك، وانتصر كل رجل لصَاحبه، فَكَمَا أعقبت تِلْكَ ملكًا عَضُوضًا ووقائع صماء عمياء، فَكَذَلِك أعقبت هَذِه جهلًا واختلاطًا وشكوكًا ووهمًا مَا لَهَا من أرجاء، فَنَشَأَتْ بعدهمْ قُرُون على التَّقْلِيد الصّرْف، لَا يميزون الْحق من الْبَاطِل، وَلَا الجدل من الاستنباط، فالفقيه يومئد هُوَ الثرثار المتشدق الَّذِي حفظ أَقْوَال الْفُقَهَاء، قويها وضعيفها من غير تَمْيِيز، وسردها بشقشقة شدقيه، والمحدث من عد الْأَحَادِيث صحيحها وسقيمها وهذها بِقُوَّة لحييْهِ، وَلَا أَقُول ذَلِك كليًا مطردًا، فإن لله طَائِفَة من عباده، لَا يضرهم من خذلهم وهم حجَّة الله فِي أرضه، وإن قلوا…”.

والمؤلف هو شاه وَليُّ الله (1110 – 1176 هـ = 1699 – 1762 م) أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الدهلوي الهندي، أبو عبد العزيز، الملقب شاه وَليُّ الله: فقيه حنفي من المحدّثين.

من أهل دهلي بالهند. زار الحجاز سنة 1143 – 1145 هـ. قال صاحب فهرس الفهارس: (أحيا الله به وبأولاده وأولاد بنته وتلاميذهم الحديث والسنة بالهند بعد مواتهما، وعلى كتبه وأسانيده المدار في تلك الديار)، ويعرف بمسند الهند.

أخذ العلوم عن والده الشيخ عبد الرحيم، وقرأ عليه الرسائل المختصرة بالفارسية والعربية، وكان يختلف في أثناء الدرس إلى إمام الحديث في زمانه الشيخ محمد أفضل السيالكوتي فانتفع به في الحديث، واشتغل بالدرس بعد أبيه نحوًا من اثنتي عشرة سنة، وتوفى أبوه وهو في سابع عشرة من عمره، إلى أن اشتاق زيارة الحرمين الشريفين فرحل إليهما سنة 1134هـ، فأقام بالحرمين الشريفين عامين كاملين وصحب علماء الحرمين صحبة شريفة، وتتلمذ على الشيخ أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكردي المدني في المدينة المنورة، ثم ورد بمكة المكرمة وأخذ موطأ مالك عن الشيخ وفد الله المالكي المكي، وحضر دروس الشيخ تاج الدين القلعي المكي أيامًا حين ما كان يدرس صحيح البخاري، وسمع عليه أطراف الكتب الستة وموطأ مالك ومسند الدارمي وكتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني، وأخذ الإجازة عنه لسائر الكتب، وأخذ عنه الحديث المسلسل بالأولية، وهو أول حديث سمع منه بعد عودته من زيارة القبر النبوي الشريف.

وعاد إلى الهند سنة 1145هـ، واستمر في تدريسه ونشر علمه بين الطلاب إلى نهاية عمره.

وقد سرد الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي أسماء كتبه في مقدمة أوجز المسالك فعدّ له 43 كتابًا ما بين صغير وكبير، وجلها بالعربية وبعضها بالفارسية، أشهرها: حجة الله البالغة، وقد قال ولده عبد العزيز الدهلوي في كتابه إلى أمير حيدر البلكرامي: “وكتاب حجة الله البالغة التي هي عمدة تصانيفه في علم أسرار الحديث ولم يتكلم في هذا العلم أحد قبله على هذا الوجه من تأصيل الأصول، وتفريع الفروع، وتمهيد المقدمات والمبادئ، واستنتاج المقاصد منها، وإنما يستنشم نفحات قليلة من هذا العلم في كتاب إحياء العلوم للغزالي، وكتاب القواعد الكبرى للشيخ عز الدين بن عبد السلام المقدسي”.

وله في التفسير: الخير الكثير، وفتح الخبير، وترجمة القرآن بالفارسية سماها بفتح الرحمن، والفوز الكبير في أصول التفسير بالفارسية (ترجمه إلى العربية بعض العلماء وهو شامل في المنهاج الدراسي عند أهل الهند وباكستان)، وفي الحديث النبوي: المصفى بالفارسية والمسوّى بالعربية (شرحان على الموطأ)، وشرح تراجم صحيح البخاري، وتأويل الأحاديث، والإرشاد إلى مهمات الإسناد، والفضل المبين في المسلسل من حديث النبي الأمين، ومن مصنفاته في السير والأدب: أطيب النغم في مدح سيد العرب والعجم، و(سرور المحزون) مختصر بالفارسي، ملخص من (نور العيون في تلخيص سير الأمين المأمون) لابن سيد الناس، صنفه بأمر الشيخ جان جانان العلوي الدهلوي، وفي الرد على الشيعة: إزالة الخفاء عن تاريخ الخلفاء بالفارسية، وقرة العينين في تفضيل الشيخين، وله غير ذلك. وذكر صاحب اليانع الجني: أن نسخة من إزالة الخفاء وقعت بيد الشيخ العلامة فضل الحق الخير آبادي فكان مولع بها ويكثر النظر فيها، وقال بمحضر من الناس: إن الذي صنف هذا الكتاب لبحر زخار لا يرى له ساحل.





رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.