الثانوية العامة عند المصريين… “الوحش” الذي لا بد منه

#الثانوية_العامة عند المصريين… “الوحش” الذي لا بد منه

ستظل تجربة مريرة لحين استبدال نمطها لمن يخوضها أو خرج منها حيا أو ميتا

يتصور البعض أن إقبال أحدهم على الانتحار بسبب صعوبة امتحان أو التوتر المصاحب له أو حزناً على نتيجة كان يتمنى أن تكون أفضل، أمراً غريباً. لكن الأغرب والأفدح هو أن البعض الآخر، رغم أسفه على المنتحر وتعاطفه مع ذويه، يتفهم قرار الانتحار ويدرك أسبابه الجسام.

جسامة الثانوية العامة تتعرض حالياً لمحاولات تفكيك حثيثة وجهود تعديل مسار عنيفة. “بعبع كل بيت” و”طوارئ كل ملتحق بالتعليم” و”كابوس الأهل” و”ضائقة الابن أو الابنة” تُركت ترتع وتتوغل وتتغول على مدار عقود. وبدلاً من مكانتها الأصلية وحجمها الحقيقي حيث شهادة مهمة تدل على إتمام المرحلة الثانوية، أصبحت وحشاً مفترساً قائماً بذاته. هذا الوحش لم يعد يكتفي باستنفاد الجيوب لصالح الدروس الخصوصية، أو قلب منظومة التعليم حيث إلغاء شبه كامل للمدرسة واعتبارها سنة إقامة بين البيت والـ”سنتر” (مركز الدروس الخصوصية)، أو نشر الذعر والقلق والتوتر في كل بيت مبتلى به، بل أصبح سبباً من أسباب الانتحار.

هناك من ينتحر أثناء السنة الدراسية. فأجواء التوتر المنزلي وضغوط التكالب على الدروس الخصوصية واستنفار الإعلام للعام المصيري وتوبيخ الأهل لأن الابن نام أكثر مما ينبغي أو ابتعد عن مكتبه أطول من المسموح به أو خاض حياة طبيعية لا تتواءم ومتطلبات السنة المصيرية تدفع البعض للانتحار أو التفكير فيه.

استنفار عنيف

وحالة الاستنفار العنيف والاستعداد الرهيب لبدء دق طبول امتحانات نهاية العام تصل بالبعض لدرجة من القلق أو الهلع أو كليهما تجعل من فكرة الانتحار ملجأ ومخرجاً. وأيام الامتحانات العجاف التي يتم خلالها تشييد المتاريس النفسية والفعلية في البيت والإعلام ولجان المدارس وما يصاحبها من “ترند” صعوبة الامتحان وإغماء الطالبات ووجل الأهل المتجمهرين على أبواب اللجان تكون القشة التي تكسر ظهر الطالب المبتلى فيبدو الانتحار مخرجاً آمناً.

وتبقى مرحلة إعلان النتائج وتحديد المصائر أشبه بتفكيك اللغم، فإما النجاة والنجاح في الاستمرار على قيد الحياة. وإما الاستسلام للحياة التي اسودت والأبواب التي أغلقت والنسبة المئوية التي أعلنت فأجهضت حلم الجامعة وبعثرت المستقبل برمته. وهذا العام، تواترت حالات الانتحار وتكاثرت لتبرهن على أن الوحش المفترس ما زال حراً طليقاً.

في القليوبية، ألقت طالبة لم تحرز المجموع الذي كانت تطمح إليه بنفسها من الطابق الخامس. وفي المنوفية، لم تفكر أميرة (18 عاماً) مرتين قبل أن تلقي بنفسها كذلك من شرفة بيتها في الطابق السادس ما إن عرفت نتيجتها في الثانوية العامة لتهبط جثة هامدة. وفي المنوفية أيضاً، كان حظ دينا (18 عاماً) أوفر نسبياً، إذ إن الأدوية التي ابتلعتها أملاً في إنهاء حياتها بعد النسبة المئوية الضئيلة التي أحرزتها في الامتحان لم تكن كافية لتقتلها، بل اقتصر الأمر على دخولها الرعاية الفائقة. وفي قنا اختار عبد الله (18 عاماً) وسيلة أقل صخباً حيث شنق نفسه في غرفته ما إن علم برسوبه في الثانوية العامة.

وقائع مأساوية

وأثناء الامتحانات، شهدت اللجان عدداً من الوقائع المأساوية. ففي القليوبية، لم تتحمل مروة (18 عاماً) ضياع حلمها بسبب صعوبة امتحان الأحياء فتناولت مواد سامة قتلتها في الحال. وفي القليوبية، أصيبت طالبة بهبوط حاد مفاجئ في الدورة الدموية أثناء امتحان الفيزياء وتوفيت في الحال.

والقصص والحكايات كثيرة. قرار طالب إنهاء حياته بسبب صعوبة امتحان أو سوء نتيجة أو ضغط عصبي لم يتمكن من التعايش معه أو التغلب عليه ليس بالقرار الجديد. لكن أن يتحول خبر انتحار طالب ثانوية عامة إلى خبر متوقع ومعتاد، فهذا أمر جلل.

وزير التربية والتعليم والتعليم الفني طارق شوقي قال قبل أيام “إن دفعة الثانوية العامة هذا العام هي دفعة تاريخية بالمعنى الإيجابي”، وحديثه عن “الاحتفال” بتخرجهم إلى عالم أرحب من المعرفة في الجامعات، وإشارته عن التطوير الذي بدأ في نظام الثانوية العامة في عام 2017 لفهم نواتج التعلم ووضع الأسئلة بمعايير تقيس مستويات الفهم والتحليل، أن تبث الطمأنينة في القلوب والتفاؤل في البيوت. لكن ما حدث كان النقيض تماماً. عقود طويلة من اعتناق منظومة الثانوية العامة باعتبارها السنة التي يكرم بعدها المرء ويلتحق بكلية من كليات القمة أو يهان ويلتحق كالملايين غيره  بكليات لا تضمن وظيفة أو مستقبل شيدت جدراناً عاتية ورفضاً شديداً من قبل القاعدة العريضة من المجتمع لأي تغييرات أو تعديلات في النظام القائم على الحفظ والصم دون فهم أو وعي.

رفض ومقاومة

الرفض والمقاومة للتغيير ومعهما الوباء الذي فرض نفسه على الجميع للعام الثاني أمور أسهمت في إذكاء القلق وإشعال الذعر وهو ما أثر على الطلاب بشكل متزايد.

كلمات الوزير طارق شوقي “الاحتفائية” عن تطوير النظام وتحول دفة الأسئلة لتقيس الفهم والتحليل الذي هو محور التغيير في الثانوية العامة، وبناء بنوك أسئلة ومواصفة امتحانات عالمية وغيرها أدى إلى نتائج عكسية تماماً لدى القاعدة العريضة من الأهالي، ومن ثم أبنائهم وبناتهم من الطلاب.

وقد استفاض شوقي في الحديث عن الأسئلة الجديدة في الثانوية العامة، وهي أسئلة معيارية مصممة بشكل علمي لقياس المستويات المختلفة من الفهم والتطبيق والتحليل. وقال شوقي، إن جهداً خارقاً تم بذله على مدار السنوات الثلاث الماضية لبناء بنية تحتية في مدارس مصر الثانوية لتكون المحصلة مليون و800 ألف “تابلت” كوسيلة للاطلاع والتعمق في المعرفة والتعلم من المصادر الرقمية.

لكن ماذا كان رد الفعل لدى جمهور المتلقين من ملايين الآباء والأمهات؟ لقد تضخم القلق ونما الذعر وتفاقمت الاعتراضات على منصات التواصل الاجتماعي مطالبة بعودة الأساليب القديمة المعروفة وأغلبها يرفع شعار “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”.

آباء وأمهات يجاهرون بترجيح كفة الحفظ والتلقين على حساب الفهم والتحليل. وحتى أولئك الذين يعون مغبة نظام تعليمي قائم على الحفظ دون فهم، يبررون مقاومتهم للتغيير بعدم كفاءة نظام التعليم نفسه من مناهج ومعلمين وعدم قدرتهم على فهم المقصود من التعمق في المعرفة والاطلاع والتفكير النقدي. فقد اعتادت الغالبية الحفظ، وأنست الصم، وخاصمت الفهم، وناصبت التحليل العداء.

على رأس قائمة الانتحار

تحليل القصص والحكايات المأساوية المصاحبة هذه الأيام لموسم إعلان نتائج الثانوية العامة يحتاج إلى كثير من الفهم. معدلات الانتحار الأحدث الواردة من مكتب شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية (2019) تشير إلى أن شخصاً يموت منتحراً كل 40 ثانية، وذلك بمعدل 800 ألف شخص في العام الواحد. وهذا يعني أن عدد المنتحرين حول العالم يفوق من يلقون حتفهم في الحروب وجرائم القتل. وتبوأ الانتحار المكانة الثانية بين أسباب مقتل الشباب المتراوحة أعمارهم بين 15 و19 عاماً، وذلك بعد حوادث الطرق.

وأشار التقرير إلى تبوء مصر مكانة الصدارة بين الدول العربية حيث تتصدر عدد حالات الانتحار، متفوقة بذلك على الدول العربية التي تشهد نزاعات مسلحة وحروباً أهلية بمعدل 3700 حالة انتحار في عام 2016.

وعلى الرغم من هالة التحريم والوصم التي تحيط بكلمة انتحار في المجتمع المصري، فإن إقبال طالب أو طالبة على إنهاء حياته في هذا العام المحوري في حياة كل أسرة مصرية يعني أن المشكلة أكبر من التلويح بورقة التكفير المعتادة. الضغط النفسي الهائل الذي يتنافس أقرب الأقربين على تكوينه وتعظيمه وتجذيره والإبقاء عليه في البيت المبتلى بالثانوية العامة يصيب البعض من الطلاب بسمومه القاتلة. فقاعة الرعب والقلق والعصبية التي يصنعها الأهل والمدرسة والإعلام تجبر طالب الثانوية العامة على الخضوع لها، وإن لم يفعل فقد يتعرض للنقد اللاذع والتبكيت وربما التنمر.

هيثم مصطفى (20 عاماً) (طالب في الفرقة الأولى في كلية الهندسة) يقول إن القلق لم يتمكن منه يوماً أثناء الثانوية العامة. كان يذاكر دروسه ويخرج مع أصدقائه ويعيش حياة عادية إلى أن استدعاه والده ووالدته ذات يوم ليصارحاه بأن هذا الأسلوب لن يجدي في الثانوية العامة. يقول: “تعجبت كثيراً حين اكتشفت أن والدي ووالدتي قلقان لعدم قلقي. وبعد جلسة أسرية طويلة خرجت بنتيجة مفادها أن علي أن أعبر لهما عن قلقي الشديد حتى يطمئنا إلى أنني أعي تماماً فداحة الموقف. لذلك قررت أن أهدئ من روعهما، وكنت أتظاهر بالقلق والخوف حتى انتهت الامتحانات”.

القلق هو القاعدة

لكن مصطفى استثناء. وغالبية الطلاب والطالبات تعاني قلقاً رهيباً بدءاً من الصف الثاني الثانوي. جزء من هذا القلق نابع من معرفتهم بأن الثانوية العامة ستقرر مصائرهم الجامعية، ومن ثم المستقبلية. والجزء الآخر أشبه بالعدوى حيث ثقافة المجتمع مبنية على الخوف من الثانوية العامة، وتحميلها مسؤولية صناعة المستقبل.

المستقبل الذي يرى طلاب الثانوية ملامحه متمثلة في نسب بطالة مرتفعة، ومعدلات تحقيق طموح منخفضة، وثروات طائلة يحققها من يصنفهم المجتمع باعتبارهم من الخاسرين. لخصه أحد مطربي أغاني المهرجانات (المثيرة للجدل) والذي لخص واقع الثانوية العامة من وجهة نظره بتغريدة قال فيها: “جبت 90  في المئة جبت 70 في المئة جبت 40 في المئة. الشاطر إللي يعرف يجيب الفلوس في الآخر”.

كلمات نجم أغاني المهرجانات تمثل الوضع بالغ الصعوبة الذي يعيشه طلاب الثانوية العامة. فبين شد الأهل من أجل دخول محراب الثانوية العامة على مدار عام كامل أقرب إلى السجن الانفرادي باعتباره العام المحدد للمصير، وجذب الواقع الذي تشير وقائعه إلى العكس تماماً حيث صانعي الثروات السريعة والحديثة أبعد ما يكونون عن التفوق الدراسي، يجد كثيرون من الطلاب أنفسهم في حيرة من أمرهم.

أمر الثانوية العامة غريب. كثيرون من الطلاب يتحدثون عما يحيط بالثانوية العامة أكثر من الثانوية العامة نفسها. قبل بداية العام الدراسي لا حديث يعلو على حجز أماكن لدى المدرسين الخصوصيين المرتبطة أسماؤهم بمعرفة ماهية امتحانات نهاية العام. وأثناء العام الدراسي لا حديث يعلو على مصاعب الأهل المادية من أجل توفير ثروات مادية مخصصة للدروس الخصوصية، وتقليص ساعات الترفيه وتعظيم ساعات التحصيل. وأثناء الامتحانات لا صوت يعلو على متابعة صعوبة الامتحانات وإغماء الطالبات وتسريب الأسئلة ومعارك الوزارة لمناهضة الإشاعات وتحويل البيوت إلى مناطق عسكرية غير مسموح بالاقتراب منها. وقبل إعلان النتائج لا صوت يعلو على التضرع للسماء وتمني النجاة والنجاح. وبعد النتيجة لا صوت يعلو على حديث كليات القمة المرجوة وكليات مكتب التنسيق المفروضة فرضاً.

حزمة الرعب

وفي خضم هذه الأجواء المشحونة، يجد قطاع عريض من الطلاب والطالبات أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه. فالقلق والضغط والرعب حزمة سابقة التجهيز من قبل المجتمع برمته أمامهم، ونظام الثانوية العامة المثقل بعقبات ومشكلات تبدأ بالمناهج وتمر بالتقييم وتنتهي بمكتب التنسيق العقيم وراءهم.

ستظل الثانوية العامة- لحين تغيير ثقافتها وعقيدة التعلم- تجربة مريرة لمن يخوضها وخرج منها حياً أو ميتاً، أو كما يلخصها أحدهم في تغريدة تقول كلماتها: “تجربة الثانوية العامة تجربة لعينة. تروما (صدمة) لا ترحل أبداً حتى لو جاءت النتيجة مشرفة. في كل عام وقت امتحانات الثانوية العامة، ستجد نفسك متوتراً مع المتوترين. جرح يعود ويؤلم في كل عام. حتى امتحان الثانوية العامة الذي لا تدخله لأنك نمت ولم تستيقظ أو لأنك جلست في اللجنة بلا حراك يظل كابوساً يطاردك في نومك وأنت على المعاش”.

المصدر : اندبدنت

Leave A Reply

Your email address will not be published.