الشعور بالذنب بسبب فسخ الخطبة


السؤال:

الملخص:

شاب بحث كثيرًا عن فتاة بمواصفات مثالية؛ من حيث الدين والخُلُق، والمستوى الاجتماعي والدرجة العلمية، ونتيجة لضغط أهله عليه فقد خطب فتاة فيها كل تلك الميزات، لكنها لا تُعجبه، وهو يريد فسخ الخطبة، لكن لا يستطيع لتعلُّق الفتاة به، وهو يخشى أن يشعر بالذنب الكبير إن هو ترَكها، ويسأل: ما الحل؟

 

تفاصيل السؤال:

أنا شابٌّ بحثت كثيرًا عن الفتاة التي تناسبني من حيث الدين والخُلُق، والشكل والدرجة العلمية، بيد أنني لا أهتم بالدرجة العلمية قدر اهتمامي بالدين والخلق، وأن تكون مقبولة لديَّ شكلًا، وأشعر برضًا ناحيتها، ولكن تأثير أهلي عليَّ من حيث الدرجة العلمية اضطرني إلى تضييق دائرة البحث، ولا يخفى عليكم مدى صعوبة تحقُّق كل هذا في بنتٍ واحدة، وقد كنتُ على استعداد تامٍّ لأتنازل عن الدرجة العلمية، وأيضًا المستوى الاجتماعي العالي في سبيل سعادتي، وأن أخطب فتاة أشعر تجاهها بقبول ورضًا من ناحية الشكل والخُلُق، وهذا لا يعني أني أريدها فائقة الجمال، ولكن أردت أن أكون راضيًا عن شكلها، ولكن حرصي على إرضاء أهلي كبير، فبحثت عن فتاة ذات دين وخُلُقٍ، ودرجة علمية، ومستوى اجتماعي، واستمر البحث زمنًا طويلًا، ولم أجد؛ إذ في كل مرة توجد مشكلة، حتى استقرت آراؤنا على بنت كنت أعرفها، لكنها لم تكن تعجبني، وما كان هذا الفعل مني إلا استسلامًا لكلام والدتي بعد البحث المضني؛ فقد كانت والدتي تحاول إقناعي بتلك الفتاة، وتذكر لي محاسنها من تدينها، وخُلُقها، وطِيب أصلها، ودرجتها العلمية العالية، وكل ذلك موجود بالفعل فيها، ولكني لا أشتهيها على الإطلاق، رغم جمالها الذي يشهد به كثيرون، ولكنها كانت بدينة، ثم انخفض وزنها بشكل ملحوظ، لكنها – في نظري – ما تزال بدينة نوعًا ما، ومع ذلك فلا أعتقد أن مشكلتي معها زيادة وزنها؛ لأنه ثمة فتيات وزنهن زائد كُنَّ يُعجبنني، المشكلة أنني قد خطبتُها، ومر على الخِطبة خمسة أشهر، كلها حَيرة وتفكير كثير، لأنني لا أشعر بقبول تجاهها، كنت في بداية الأمر أجبر نفسي على الكلام معها، ثم أصبح كلامي معها قليلًا جدًّا، لا أريد أن أحدِّثها، ولا أريد الذهاب إليها، هي فتاة طيبة جدًّا جدًّا، ومهذبة، ومحتشمة، وتبذل جهدًا كبيرًا كي تسعدني، وغير مزعجة على الإطلاق، ولديها عقل ورزانة وحكمة، وهي – في نظر الجميع – جميلة جدًّا، وهي فعلًا جميلة، لكن هذا الجمال لا يعجبني، قد أُعجب ببنت أقل منها جمالًا، ولكن لا أستطيع تقبلها، وعدم التقبل هذا موجود من قبل الخطبة.

بعد شهر ونصف من الخِطبة عقدتُ العزم على تركها، ولكن تم تعنيفي بشكل كبير من قِبل والديَّ، فتراجعت عن القرار، ولكنَّ في نفسي حرجًا، والذي يزيد آلامي أيضًا محاولاتها المستمرة لإرضائي؛ فهي تحاول إنقاص وزنها، مع أنني لم أطلب منها، وأقول لها: لا تقسي على نفسكِ، ولأن من طباعي دائمًا أن أحمِّلَ نفسي آلامًا نفسية، إذا تألم أحدٌ بسببي، ويتملكني الحزن لأوقات طويلة إذا ما أذنبت في حق أي أحد بغير قصد، وبعد مدة لاحظ أهلي حزني الشديد، فتركوا لي الحرية في الأمر، وأصبح القرار بيدي، وقد توصلت إلى طرق جيدة للانفصال؛ بحيث تكون أقلَّ ضررًا عليها، ولكني لم أستطيع تنفيذ أيٍّ منها حتى الآن؛ لسببين: أولهما: أن البنت طيبة جدًّا، ومتدينة جدًّا، ومريحة في التعامل، وذكية وحكيمة، فكل هذه الصفات وضعتني في حيرة من أمري، وفعلًا أريد زوجتي مثلها، لكن لا أشعر تجاهها بأي ذرة شهوة جنسية، حتي في أشد أوقات شهوتي، حاولت كثيرًا أن أحبها وأشتهيها، لكن بلا فائدة، أخشى على نفسي إن تزوجتها أن يظل الأمر كما هو، وهنا ستكون مشكلة كبيرة جدًّا؛ لأن هدفي الرئيس من الزواج عفةُ النفس، وهو ما لن يتحقق، والحال هذه.

ثانيًا: أخشى عليها أن تسوء حالتها النفسية عند الانفصال؛ فهي متعلقة بي، وأشعر بالذنب الكبير تجاهها، وتجاه أهلها، خصوصًا أن هذه هي الخطبة الثانية لها.

أصلي الاستخارة باستمرار، لكني في حيرة من أمري، ماذا أفعل؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أهلًا بك ابننا الفاضل، نسأل الله عز وجل أن نكون خير عون لك على إرشادك للطريق الصحيح.

 

بداية يجب أن تعلم أن قرار اختيار خطيبتك، أو الانفصال عنها، أو الإكمال معها – هو قرار يخصك وحدك، لا يخص والدك ولا والدتك – رغم عظيم حقهما عليك – ولا يحق لإنسان أن يجبرك على مثل هذا القرار، سواء بالتصريح أو التلميح، أو استخدام وسائل للضغط المعنوي؛ لأنَّ هذه حياتك أنت، أنت من سيعيشها بأوقات صفوها، وأوقات كدرها، بحلوها ومرها.

 

بالطبع، يجب أن نضع في اعتبارنا رأي الوالدين وغيرهم ممن يتسم بالحكمة والخبرة، ولكن القرار النهائي لصاحب الشأن فقط.

 

مؤكد أنَّ كل الأوصاف التي وصفت بها خطيبتك تدل على أنها شخصية مميزة دينًا وخُلُقًا وطبعًا – أحسبها على خير ولا أزكيها على الله – مما يؤهلها لأن تكون زوجة حسنة المعشر مع زوجها بإذن الله عز وجل، إن هي وجدت في زوجها الاحتواء والاهتمام، والاحترام والمعاملة الحسنة، وحسن العشرة والتقدير لأنوثتها، وكل كلامك – يا بُني – يدل على أنك كذلك حسن الخلق طيب الطبع – أحسبك على خير ولا أزكيك على الله – ولكن كل هذا الخير الموجود فيها وفيك لا يكفي لأن تستمر العلاقة بينكما على خير حال، بل يمكن لهذه العلاقة أن تنقلب إلى صراع نفسي داخلك وداخلها؛ بسبب نظرتك لها كأنثى، وربما تحوَّل هذا الصراع مع الوقت إلى مشكلات حقيقية يظهر أثرها عليكما، وعلى أبنائكما على المدى البعيد، وتظل أنت في احتياج لشيء لا تجده فيها كأنثى، لا لنقص حقيقي فيها، ولكن بسبب نظرتك أنت، واحتياجاتك أنت، وإلا فهناك من الرجال مَن قد يراها فائقة الجمال، وفائقة الأنوثة والجاذبية، ويتمنى لو أنها رضيَتْ به زوجًا لها.

 

هذا النقص الذي تشعر به تجاهها سيجعلك رغمًا عنك مقصرًا في حقوقها كزوجة، وفي حقوقها كأنثى، وربما تسبب لها ذلك في كسر عميق قد لا يُمحى من قلبها، مهما مرت السنوات؛ ذلك لأن المرأة قد تتحمل من الرجل أشياء كثيرة، وتتغاضى عنها، وتنساها له، أما ما يحطمها كأنثى، فيظل عالقًا في الذاكرة كاسرًا للنفس.

 

ومع ازدياد هذه المشاعر منها ومنك ربما يحدث بينكما نوع من الفتور واللامبالاة، والإهمال المتبادل والبعد النفسي، والطلاق الروحي، أو تشتعل بينكما الصراعات والمشكلات والخلافات، أو في أحسن الأحوال قد تسير الحياة هادئة، ولكنها تصبح بلا طعم ولا روح، فكل طرف فيكما يتظاهر بالسعادة مع الطرف الآخر، وهو من داخله يتمنى لو عاد الزمن، وكان لديه من العلم ما لديه الآن ليتراجع عن اختياره، حتى يجنب نفسه هذه المرارة التي يعيش فيها.

 

الزواج – يا بني – لا يكفي فيه العلم، ولا يكفي فيه الدين وحسن الخلق، فرغم أن الدين وحسن الخلق هما الأساس إلا أنه حين يجد طرف ما في داخل نفسه نفورًا من الآخر وعدم قبول له بشكل زائد عن الحد، يسبب له مثل هذا الصراع النفسي الكبير، أو يجد في نفسه شعورًا قويًّا بأنَّ الطرف الآخر لن يحقق له الإشباع المساعد له على العفة، هنا عليه أن يجنب نفسه ويجنب الآخر الاستمرار في علاقة يترتب عليها ظلم للطرفين؛ لذلك اجلس مع نفسك جلسة صادقة، وانظر هل الموضوع موضوع بدانة فقط، فإن هي فقدت بعض وزنها صرت أكثر قبولًا لها، أم أنَّ موضوع البدانة ليس السبب الوحيد كما قلت في رسالتك، وأنك قد ترى مَن مثلها في البدانة، ولا يضايقك بدانتها؟ فإن كان عدم القبول لها كأنثى قائمًا في الحالتين، فلا تتردد في الانفصال عنها، ولكن بعد أن تمنح نفسك فرصة أخيرة، تبتعد فيها عنها لبعض الوقت؛ لترى هل ستشتاق إليها كأنثى أم لا؟ فإن شعرت بأنك تفقدها في حياتك، وشعرت بالاشتياق لها كإنسانة وكأنثى، وأنك بدأت تنجذب لها عاطفيًّا وجسديًّا، عندما فقدت وجودها في حياتك، فاستمر معها، وحاول التقرب لها أكثر، أما إن وجدت أن مشاعرك ما زالت سلبية تجاهها، فاخرج من حياتها برفق وهدوء، دون جرح لمشاعرها.

 

وإن أخذت قرار الفراق، فلا تحمِّل نفسك فوق طاقتك، ولا تُشعر نفسك بأنك قد عققت والديك، أو أنك قد ظلمتها؛ ففترة الخطبة فترة اختبار للمشاعر وللانسجام النفسي ولأخلاق الطرف الآخر وطباعه، وغير ذلك، ولا حرج ولا لوم على أي طرف في الخروج من حياة الطرف الآخر، وفسخ الخطبة، إن لم يجد في نفسه القبول الكافي للطرف الآخر، بل اللوم كل اللوم على من يُكمل الطريق وهو على يقين بأنه غير متوافق مع الطرف الآخر، بشكلٍ يسبب له الصراع النفسي هكذا.

 

الآن أريد أن أذكرك بأنك لن تجد أبدًا شخصية كاملة؛ فكلنا بنا جوانب نقص، فإن عثرت على فتاة بها من حسن الخلق والدين ما يرضيك، وطباعها تتوافق معك إلى حد كبير، وتشعر نحوها بانسجام نفسي وجسدي – فتوكَّل على الله، واظفر بها، ولا تلتفت للدرجة العلمية؛ فأنت لن تتزوج شهادة تعلقها على جدران المنزل، ولن تتزوج صاحبة درجة علمية لتفتخر بها أمام الناس، والشهادة العلمية ليست مقياسًا أساسيًّا للحكم على المرأة، فقد تتزوج صاحبة الدرجة العلمية، وتجد فيها بعد الزواج ما ينغص عليك صفو الحياة، بل وما يجعلك تتزوج عليها مَن لا تحمل شهادة من الأساس، ولكنها تعرف كيف تتعامل مع الناس.

 

وضَعْ في اعتبارك دومًا عند الاختيار قول الشاعر:

وَمَن ذا الَّذي تُرضَى سَجاياهُ كُلُّها
كَفى المَرء نُبلًا أَن تُعَدَّ مَعايِبُهْ

هذا عن السجايا والطباع وليس عن الشهادات العلمية، فعدم حصول المرأة على درجة علمية عالية ليس عيبًا فيها، فيكفيها أنها على علم وثقافة مناسبة تؤهلها للتعامل مع الزوج تعاملًا سليمًا، وتؤهلها لتربية أبنائها تربية صحيحة.

 

أخيرًا، أرجو منك أن تنتبه لنفسك جيدًا، وتُخرجها من سجن جلد الذات، والكمالية في التعامل مع الأمور والحكم على الناس، والكمالية كذلك في محاولة إرضاء الآخرين، ولا تكلف نفسك فوق طاقتها، واقرأ كثيرًا عن التوازن في الشريعة الإسلامية.

 

أسأل الله أن يلهمك الصواب، ويعينك على اختيار ما هو خير لك، وأن يُرضيك به، وأن يرزقك توازنًا جميلًا في الأفكار والمشاعر والسلوك.





رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.