انفصلت عن زوجي لمخالفته شرع الله


السؤال:

الملخص:

فتاة ملتزمة عُقد قرانها على شابٍّ ذي شخصية ديكتاتورية، يرى نفسه لا يخطئ، وهو غير ملتزم بشرع الله، وحاول أن يكرهها على سماع الموسيقا، فانفصلت عنه، لكنها تلوم نفسها وأسلوبها، وتسأل: ما النصيحة؟

 

تفاصيل السؤال:

أنا فتاة ملتزمة، وقد تم عقد قراني، وقعت مشاكل كثيرة بيني وبينه، حاولت جاهدة وضعَ حلولٍ لها، ولكن محاولاتي كلها قُوبلت من جهته بالرفض، فهو لا يريد إلا تنفيذ رأيه، ويقول: أنا لا أخطئ أبدًا، تحمَّلته كثيرًا، وتنازلت إلى الحد المعقول، وتخليت عن أي رغبة لي تؤدي لوقوع الصدام بيننا، ما دمتُ أستطيع العيش دونها، آخر مشكلة وقعت بيني وبينه أنه أراد أن يكرهني على سماع الموسيقى، وألَّا أنكر عليه، وألا أضيق بها ذرعًا، وإلا فإنه سيعيش حياته دوني، ونختلف أيضًا حول تربية الأولاد؛ فأنا أريد تنشئتهم على الدين، وحفظ القرآن، وهو لا يريد ذلك، بل يريدهم أن يفعلوا ما يشاؤون وإن كان حرامًا؛ ولهذه المشاكل قررت أن أنفصلَ عنه، مع حبي الشديد له، وتعلقي به، ومحاولاتي المضنية لإنجاح علاقتنا، حاول أهلي الإصلاح فيما بيننا، لكنه لم يرضَ إلا برغبته، قال: إنه يريدني، لكن إن كنت لا أستطيع العيش معه، فسيطلقني، فطلبت أن يطلقني، ووافق، وماطل فيه مدة شهرين، فرفعت قضية فسخ، وأنا الآن أنتظر إجراءات القضية.

 

مشكلتي أني ألوم نفسي، مع تثبُّتي التام من صحة قراري، لكن أقول: ربما كان سيتوب، ربما كان سيتغير، ربما لو كنت ألطفَ، لغيَّر رأيه، ربما بأسلوب معين كان سيقتنع، لكن لم أستعمله، علمًا بأني حاولت لمدة ثلاثة أشهر، ثم أواجه مشاعر أخرى؛ إذا انفصلت، هل سأتزوج؟ ومن هو ذلك الزوج؟ وهل سيكون صالحًا كما أتمنى؟ ربما يأتي رجل يُظْهِر لي في فترة الملكة الصلاح، ثم إذا تزوجته، بان لي غير ذلك، وتكررت نفس المشاكل، فماذا أفعل حينها؟ أصبحت أقول لنفسي: هو غير متوافق معي، لكن لربما لن أكون قادرة على التعامل مع غيره من الرجال، فهل التعامل مع زوجي يحتاج مهارات عالية؟ هل أحتاج دراسة وتفكيرًا كي أتعامل معهم؟ أصبحت أقرأ كثيرًا في هذه المواضيع، وتعبت أكثر، شعرت أنني في اختبار، وقبل أي تصرف سأتردد كثيرًا، فبدأت أفكر: هل لو أغلقت باب الزواج كله سأرتاح؟ أريد رجلًا طبيعيًّا، لا أحتاج تقنيات وخدعًا لكي نتفق، لماذا علاقتي مع أهلي وأقاربي وصديقاتي وكل من أعرف تسير بسلاسة ومتعة وانسجام دون دراسة وتقنيات؟ أرجو نصيحتكم، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

ابنتي، هنيئًا لكِ هذا القرار وهذا الاختيار، أسأل الله أن يرزقكِ الحكمة، وأن يبارك لكِ في قراركِ هذا، ويثبِّتكِ عليه وعلى الطريق المستقيم، وأن يؤجركِ خيرًا ويرزقكِ الزوج الذي يُسعدكِ، ويأخذ بيديكِ إلى الجنة بإذن الله عز وجل.

 

حقيقة لا أجد أي مبرر يجعلكِ تندمين على الخروج من هذه العلاقة مبكرًا، حتى وإن كنتِ تحبين هذا الرجل؛ فشخص يتعامل معكِ بديكتاتورية ودون محاولة لسماعكِ، ولو من باب تطييب الخاطر، أو من باب الإحسان لمحبوبته، ويقول لكِ بكل وضوح: إنكِ إن لم تطاوعيه في الحرام، فسيبتعد عنكِ، ويؤكد على أنه يريد أن يربي أبناءه تربية بعيدة عن شرع الله – هو شخص لا يصلح بكل المعايير أن يكون زوجًا لامرأة تتقي الله، وتسعى لأن تؤسس أسرة تطيع الله، وتعيش على شرعه.

 

ولعل تجربتكِ هذه تجعلني أناديكِ وأنادي كل فتاة من أعماق قلبي وعقلي، وبكل ما أوتيتُ من قوة أن تنتبه كل فتاة منكن لنفسها ومستقبلها جيدًا، وألَّا تخدع نفسها بأكذوبة أنَّ الرجال سيتغيرون بعد الزواج، وأن الحب وحده كفيل بأن يغيرهم؛ فالرجل لا يتغير قبل الزواج ولا بعد الزواج، إلا إذا لامس نور الإيمان الصحيح قلبه، واستعان بالله، وسعى للتغيير؛ حبًّا في الله عز وجل، وحرصًا على مستقبله في الآخرة.

 

قد تتغير المرأة أحيانًا مع الوقت وتتأقلم مع زوجها؛ لأنها – في الغالب – أكثر مرونة وأكثر قدرة على التكيف، ولأنها من طبيعتها أنها تسعى لإرضاء زوجها، بينما من طبع الكثير من الرجال أنهم يتشبثون بشخصيتهم، ويظنون أنه من غير الرجولة، ومن علامات ضعف الشخصية أن تساهم الزوجة في تغيير زوجها أو إصلاحه أو تعديل سلوكياته، بل ربما يعاند الزوج، ويبتعد عن التغيير، وهو مقتنع من داخله بأن زوجته معها كل الحق؛ فقط لأنه يظن في مخيلته أنها تسعى للسيطرة عليه.

 

وللأسف كثيرات من بناتنا ينخدعن بهذه الأكذوبة، ويرضين برجال ذوي طباع سيئة، وأخلاق ذميمة، وبُعد عن الله عز وجل؛ ظنًّا منهن أن الرجل سيتغير بعد الزواج، ثم تُفاجأ الواحدة منهن بأنها تعيش في دوامة من الحزن والألم النفسي، والمشكلات المستمرة، والعنف اللفظي، أو البدني، أو الفكري، والأشد خطورة أنها قد تتطبع بطباع زوجها، وتسايره في طريقة معيشته، فتبدأ في التنازل عن مبادئها خطوة بخطوة، وتبدأ في التحلل من قِيَمِها قيمة تلو الأخرى، حتى تجد نفسها بعد فترة من الزمن أنها ابتعدت عن الطريق المستقيم، ونسيت تمامًا ما كانت عليه من حسن اتباع لشرع الله عز وجل.

 

ابنتي، اثبتي على قراركِ، واعلمي أن الرجل الذي يقول: إنه لا يخطئ أبدًا، لن يكون زوجًا حسنَ المعشر، مهما كانت محاسنه، هذا من وجهة نظري والله أعلم؛ وذلك لأن قوله هذا يحمل في طياته نوعًا من الكِبْرِ، هذا الكبر قد يجره إلى ظلمكِ والعدوان عليكِ مع الوقت، بل وقد يجره إلى التجرُّؤ على حرمات الله، وعلى شرعه سبحانه وتعالى، وكيف لا وهو الذي يرى نفسه أنه لا يُخطئ!

 

كيف به إن قُدمت له نصيحة بأن يتقي الله فيكِ – مثلًا – إن أساء لكِ، هل سيتقى الله بالفعل أم سيرى أنه لا يُخطئ، وأن من ينصحه بهذه النصيحة هو المخطئ؟!

 

بالله عليكِ فكري جيدًا: كيف ستكون الحياة مع رجل يلومكِ ويغضب منكِ؛ لأنكِ تتضايقين من تصرف يقوم به؟!

 

حتى مشاعركِ الطبيعية يلومكِ عليها، ويحاول أن يضيق عليكِ الخناق حتى لا تعبري عنها!

 

كيف ستكون الحياة معه إن كان مجرد شعوركِ بالضيق من تصرفاته السلبية يجعله يتغير عليكِ هكذا؟!

 

كيف سيكون الوضع بينكما إذا تناقشتِ معه، واستفضتِ في النقاش، أو قررتِ الثبات على رأيكِ إن كان ما يضايقكِ منه أمرًا مخالفًا لشرع الله؟!

 

هل تظنين أنه سيعاملكِ وقتها بالحسنى، وأنتِ تتمسكين بقيمكِ الدينية التي تخالف قيمه؟!

 

بالطبع لن يفعل؛ لأنه صاحب شخصية ديكتاتورية، شخصية لا تتحمل بأن يخالفها من حولها، وقتها ستشتعل المشكلات بينكِ وبينه، وسيتهمكِ بالعند وعدم الطاعة وسوء الطبع، وأنكِ زوجة نكدية وغير ذلك؛ لذلك أقول لكِ: إنكِ أحسنتِ صنعًا بالبعد عنه، وأسأل الله أن يعوضكِ خيرًا، ويرزقكِ الشخص الهين اللين الذي يقتدي بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، الذي كان خلقه القرآن.

 

أما بخصوص مخاوفكِ، فلا تَدَعي الشيطان يصور لكِ أشياء غير صحيحة؛ فرزقكِ في الزواج سيأتيكِ بإذن الله عز وجل في الوقت الذي كتبه الله لكِ، وكل ما عليكِ أن تتقي الله، وتسأليه من فضله، وتأخذي بالأسباب في حسن الاختيار.

 

الآن دعيني أنتقل معكِ إلى نقطة أخرى؛ وهي معاملة المرأة للرجل، بالطبع لا بد للمرأة الذكية أن تتعامل مع زوجها باللين والرقة، واللطف والتخلي عن العناد، والبعد عن الحدة والشدة، والاتهامات، والنصح المباشر، ومحاولة فرض الرأي؛ حتى يألفها قلبه، ويرضى بها عقله، ويتقبل حديثها، ويعاملها معاملة هينة لينة، وحتى يدوم الحب والود بينهما؛ لذلك عليكِ أن تراجعي أسلوبكِ مع شريكِ حياتكِ السابق؛ لتكتشفي ما كان به من أخطاء، ومن ثَمَّ تسعين لإصلاح نفسكِ، وتصحيح خطئكِ؛ حتى يتيسر لكِ العيش مع شريك حياتكِ القادم حياة هادئة هانئة بإذن الله عز وجل.

 

وطبعًا ستحتاج المرأة إلى تعلم مهارات التواصل مع الطرف الآخر، كما يحتاج الرجل إلى نفس الشيء، وذلك مما يساعد على سرعة الانسجام بينهما، وحسن التواصل، وحسن العشرة بإذن الله عز وجل.

 

وتعلم هذه المهارات أمر في غاية الأهمية في عصرنا الحالي، ولكِ أن تخيلي معي شخصًا اشترى سيارة باهظة الثمن، وبدأ في ركوبها وقيادتها دون أن يتعلم فن قيادة السيارات، ما الذي سيحدث له وللسيارة وللسائرين في الطريق؟!

 

مؤكد ستحدث كوارث كبيرة؛ لذلك كان عليه من البداية أن يتعلم كيف يقود هذه السيارة قبل ركوبها، هذا في قيادة السيارات، فكيف هو الحال في قيادة الحياة الأسرية؟!

 

كيف هو الحال في علاقاتنا بشركاء حياتنا، ثم علاقاتنا بأبنائنا فيما بعد، هل الأمر لا يستحق منا المزيد من الجهد لتعلم فن إقامة العلاقات؟!

 

نصيحتي لكِ: أن تتعلمي مهارات التواصل، وتتعلمي أنماط الشخصيات من المنظور العلمي، وكيفية التعامل مع هذه الأنماط، وكيفية التخلص من عيوبكِ الشخصية بعد معرفتكِ لنمط شخصيتكِ، كما أنصحكِ أن تتعلمي فن الحوار الهادئ وفن الإقناع وفن تقريب المسافات، فكل هذه المهارات ستحتاجين لها، سواء في التعامل مع الزوج، أو الأبناء، أو غير ذلك من البشر.

 

وطبعًا البشر أنواع؛ فهناك شخصيات يمكننا التعامل معها بسلاسة، كما تتعاملين أنتِ مع صديقاتكِ وأفراد أسرتكِ، وهناك شخصيات تحتاج منا المزيد من الوعي أثناء التعامل معها، وليس معنى ذلك أن هذه الشخصيات سيئة، بل قد تكون من أجمل الشخصيات، ولكن اختلاف الطباع والبيئات والأفكار يتسبب في بعض الاختلافات، وربما الخلافات أثناء التعامل، ولتخطي هذه المشكلة نحتاج لفهم شخصياتنا وشخصيات الآخرين؛ لذلكِ ابدئي حياتكِ الجديدة بزيادة وعيكِ، واحرصي على قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواقفه في التعامل مع مَن حوله، واقرئي كثيرًا عن سيرة السيدة خديجة والسيدة عائشة وأمهات المؤمنين في التعامل كزوجات، وستجدين في سيرتهن العطرة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يعينكِ على حسن التعامل مع الآخرين بإذن الله عز وجل.

 

أسأل الله عز وجل أن يرزقكِ الحكمة، وأن يوفقكِ إلى ما فيه الخير لكِ في دينكِ ودنياكِ وآخرتكِ.





رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.