بين التوبة والمعصية


السؤال:

الملخص:

فتاة كانت ذات دين قبل أن تدخل في علاقة محرمة مع شابٍّ، وهي تشعر بالخزي والعار من نفسها، وتشعر بتناقضها بين التوبة وبين إتيان المعاصي والذنوب، وتريد الخروج من هذا المستنقع، وتسأل: ما النصيحة؟

 

تفاصيل السؤال:

السلام عليكم.

أنا فتاة في التاسعة عشرة من عمري، دخلت في علاقة مع شابٍّ، وأغضبت ربي لأجل متعة زائلة، أشعر بأنني حقيرة، وكلما تذكرت ما كنت عليه يؤنبني ضميري، وأشعر بالخزي والعار من نفسي، وقد كنت قبل تلك العلاقة فتاة تقرأ القرآن وتصلي النوافل، وتصوم السنن، وتطلب العلم، حتى إنني كنت أريد أن أصير داعية إلى الله عز وجل، ولكن فجأة وقعت في وحل الفتن دون سابق إنذار، أنا خائفة جدًّا أن أعود إلى ذلك المستنقع، وأدعو ربي في كل ليلة من هذا الشهر الفضيل أن يُثبِّتني، فلقد تعبت من الذنوب، وأشعر بالخوف الشديد من ربي عز وجل، وأطلب من ربي إن كان قد قدَّر لي أن أعود إلى تلك الذنوب أن يأخذني بدل ذلك، فلا أستطيع تحمل نفسي وأنا على هذه الحال، أنا فتاة متناقضة جدًّا ولا أدري أين يذهب عقلي وأنا أرتكب تلك الذنوب مع هذا الشاب، أريد أن أخرج من هذا التناقض، أرجو توجيهكم وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:

فإن الله عز وجل يقول: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

 

وهذه هي أرجى آية في كتاب الله تعالى؛ كما قال ابن مسعود رضي الله عنه؛ تأتي مؤنسة للقلب، ومطمئنة للنفس، تضفي سكينة عجيبة ترتاح لها القلوب، حتى تلك الموغلة في المعاصي المنيبة إلى الله تعالى، تطرق كلماتها العقل كما الفؤاد، تُشعر بمحبة شديدة من الله لعباده الذين وثقوا به ورجوه وعرفوا قدره.

 

هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولكن لا بد من التوبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتُبْ منه، والذنب لا بد من التوبة منه وإلا كان العبد تحت الوعيد بالعذاب.

 

وفي الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي: ((أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ [الفرقان: 68]، ونزل قوله: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 53])).

 

وقال الإمام أحمد أيضًا عن عمرو بن عبسة، قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يدعم على عصًا له، فقال: يا رسول الله، إن لي غَدَراتٍ وفَجَرات، فهل يغفر لي؟ فقال: ألستَ تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله، فقال: قد غفر لك غدراتك وفجراتك)).

 

وفي الصحيحين عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا، ثم ندم وسأل عابدًا من عباد بني إسرائيل: هل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله وأكمل به مائة، ثم سأل عالمًا من علمائهم: هل له من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نأى بصدره عند الموت، وأن الله أمر البلدة الخيِّرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة أن تتباعد، فقبضته ملائكة الرحمة.

 

يا أختي، باب التوبة مفتوح بالليل والنهار مهما عظُمت ذنوبكِ، فلا يخدعنَّكِ الشيطان ويُقنِط قلبكِ، ويفر من الرحمة إلى العذاب، ففروا إلى الله مولى المؤمنين التائبين الأوابين.

 

إني أراكِ نادمة على ما فعلتِ، وهذه أولى خطوات التوبة، وأظنُّكِ عازمة على ألَّا تعودي إلى هذا الذنب، بقي أن تأخذي خطوات عملية لإغلاق الباب في وجه الشيطان، وقطع سبل الإغواء والانتكاسة من جديد.

 

اقطعي علاقتكِ بهذا الشاب نهائيًّا، وأغلقي كل أبواب الاتصال بينكما، فإن كان يعرف رقم هاتفك فغيِّريه، وإن كان يتواصل معكِ على مواقع التواصل الاجتماعي فاهجريها، وإن كان يدرس معكِ فغيِّري مكان الدراسة وانتقلي إلى مدرسة أو جامعة أخرى، وإن كان يعرف مكان بيتكِ ويطاردكِ، فالتزمي النقاب حتى لا يتعرف عليكِ، فإن كان في ارتداء النقاب مشقة بسبب القوانين في فرنسا، فإنهم لا يمنعون الكمامة مع حجاب ساتر لمعظم أجزاء الوجه، ولو اضطررتِ للبقاء في البيت بعض الوقت حتى يملَّ وينساكِ فلا بأس، والدراسة صارت عبر الإنترنت بشكل كبير هذه الأيام ولن يفوتكِ الكثير منها، وحتى ولو فاتكِ شيء منها فهو خير من الوقوع في الفتنة.

 

أنتِ أدرى بحالكِ ففكري جيدًا في إغلاق أبواب الفتنة بشكل حازم وقاطع، لا تتركي فرجة للشيطان يدخل لكِ منها.

 

أكثري من القراءة عن التوبة، وعودي فورًا لصلاتكِ وقيامكِ وصومكِ، وكوني على يقين أن الله عز وجل قبل توبتكِ، وطهري قلبكِ قبل أن يطهر بدنكِ من الإثم والمعصية، وأنكِ بتوبتكِ هذه قد ولدتِ من جديد، وأن الله قد غسل ذنوبكِ بالماء والثلج والبرد، فلا أثر لها عليكِ إلا المزيد من العبادة وقراءة القرآن، وتعلم العلم الشرعي الذي يعصمك من الفتن والزلل بإذن الله.





رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.