حقائق وخفايا ذكرياتي المستشار محمد أبوالحسن يوثق دور وفد الكويت الدائم بالأمم المتحدة خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية والغزو العراقي الغاشم


شافعي سلامة

للتاريخ من يصنعه ومن يشهد عليه ومن يضطلع بتسجيله وتوثيقه، فما أصدق وأنفع كاتب التاريخ وموثق أحداثه إذا كان مشاركا في صناعة هذه الأحداث وشاهد عيان عليها.

لعل هذا ما ينطبق تماما على المستشار في الديوان الأميري محمد عبدالله أبو الحسن وكتابه القيم «حقائق وخفايا ذكرياتي» الذي يوثق من خلاله الحقائق ويسرد خفايا عدد من اجتماعات مجلس الأمن وجلسات مشاوراته خلف الأبواب المغلقة في الأمم المتحدة في الفترة بين عامي 1981 و2003.

وقد جاء هذا الكتاب أيضا، وفق ما بين مؤلفه الديبلوماسي المحنك صاحب الباع الطويل في الديبلوماسية الدولية الثنائية ومتعددة الأطراف، لتوضيح بعض التجاذبات وأسبابها ومحاولات الإقناع وصولا إلى الموقف الموحد لمجلس الأمن تجاه العدوان العراقي على الكويت في العام 1990م، وكذلك لبيان دور الاتصالات عالية المستوى بين الكويت وحكومات أعضاء مجلس الأمن لتحقيق سرعة صدور قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وإلزاميتها، ومعرفة كيف تحقق التناغم والدعم بين موقف مجلس الأمن وموقف الجمعية العامة للأمم المتحدة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

كما أن من الأهداف وراء هذا المؤلف أن يكون مرجعا وثائقيا وتذكيرا مستمرا للأجيال المعاصرة والقادمة في الكويت والعالم العربي عن واحدة من أكبر إنجازات مجلس الأمن والشرعية الدولية والكويت في تحقيق الأمن والسلام في المنطقة.

وقد أشاد السفير سليمان ماجد الشاهين في تقديمه للكتاب الذي صدر مؤخرا بمحتواه والجهد المبذول فيه قائلا: لا شك أن هذا الإسهام الوثائقي إذ يصدر عن مؤلف قدير ومشارك فاعل في الأداء السياسي والديبلوماسي في أهم وأرقى مؤسسة دولية هي الأولى على المسرح الدولي ليستحق منا ومن القراء الكرام كل تقدير واهتمام.

وأوضح الشاهين، صاحب الرؤية العميقة المتمرسة، أن من أعقد جوانب كتابة التاريخ حين يكون القلم عادلا ومنصفا هو كيفية تعامل صاحبه مع الحدث التاريخي بتجرد حين التعرض له بالتحليل والتعليق والعرض بما يرضي الضمير ويخدم الحقيقة المجردة بما تحمله أحيانا استجابة لدواعي المصلحة العليا التي قد تسمو على كل رغبة شخصية.

وقد وقف المؤلف القدير والديبلوماسي المحنك صاحب الباع الطويل في الديبلوماسية الدولية الثنائية ومتعددة الأطراف المستشار محمد أبوالحسن في تمهيده للكتاب، وحتى يقدم للقارئ توطئة يبني عليها استيعابه لما يقدمه له الكتاب من معلومات، على محطات من حياته الديبلوماسية التي تلت مباشرة تخرجه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة بتفوق عام 1965، حيث انخرط في العام نفسه في العمل بوزارة الخارجية في الإدارة الاقتصادية لمدة سنة ونصف السنة قبل أن ينتقل إلى الإدارة السياسية.

وخلال عمله في هذه الإدارة وقعت نكسة يونيو 1967 التي شهدت انكسار الجيوش العربية واحتلال ما تبقى من فلسطين وسيناء والجولان واجزاء من الأردن، وفي هذا الموقف الصعب ظهرت بجلاء ملامح ذكائه المتقد ومهنيته الديبلوماسية عندما سجل ملاحظة شديدة الأهمية على برقية واردة من وفدنا الدائم في الأمم المتحدة بنيويورك إلى قسم الأمم المتحدة في وزارة الخارجية الكويتية تتعلق بصياغة القرار الشهير 242 الخاص بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث لفت انتباهه الفخ الذي اشتهر لاحقا في صياغة القرار حيث نص على الانسحاب من «أراض محتلة» وليس «الأراضي المحتلة»، وهو ما كان يمكن أن ينطبق على انسحاب من أي جزء ولو صغيرا من الأراضي التي احتلها الكيان الصهيوني وليس كامل الأرض، وقد تم تداول ملاحظة أبو الحسن هذه لاحقا في مجلس الأمن بين المعنيين بصياغة القرار 242، وهو ما كشفه له لاحقا السفير عيسى الحمد.

بعدما ترك انطباعا مؤثرا ينبئ عن ديبلوماسي صاعد واعد، سافر أبو الحسن في 12 سبتمبر 1968 ليلتحق بالعمل ملحقا ديبلوماسيا في وفد الكويت الدائم بالأمم المتحدة في جنيف، وما إن وصل حتى انتقل سمو الشيخ ناصر المحمد، الذي كان آنذاك المندوب الدائم للكويت في الأمم المتحدة في جنيف، للعمل سفيرا للكويت في إيران ومن بعده القائم بالأعمال محمد العتيقي للعمل ايضا في سفارتنا بطهران، ليجد أبوالحسن نفسه بعد أسبوع واحد من الوصول إلى جنيف في منصب القائم بأعمال مندوب الكويت الدائم بالأمم المتحدة هناك في فترة واجه فيها موقفا صعبا من الحكومة الكندية لكنه أبلى بلاء حسنا بالحفاظ على مصالح الكويت، وقد امتد شغله هذا المنصب مدة 5 أشهر حتى التحاق السفير علي زكريا الأنصاري في منتصف فبراير 1969 بعمله مندوبا دائما.

5 سنوات قضاها أبوالحسن في جنيف قبل أن ينتقل للعمل سكرتيرا أول بسفارتنا في طهران مدة عامين اكتسب خلالهما الكثير من الخبرات كما استفاد في عمله من العلاقات الشخصية القوية التي كونها سمو الشيخ ناصر المحمد مع شاه إيران وكبار القيادات في البلاط الشاهنشاهي ووزارة الخارجية.

وفي سن الـ33 تم تعيين أبوالحسن سفيرا بدرجة مستشار في الصين، حيث سافر في 3 أغسطس 1975 ليكون ثاني سفير للكويت في بكين بعد السفير عبدالحميد البعيجان، ليلاقي تقديرا خاصا ممثلا للكويت التي كانت أول دولة خليجية تعترف بجمهورية الصين الشعبية وفتحت فيها سفارة وعينت فيها سفيرا.

وفي العاصمة الصينية مكث 3 سنوات اكتسب خلالها خبرات ومهارات ديبلوماسية وصداقات كثيرة كان من بينها علاقة الصداقة مع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب التي بدأت في العام 1976 حيث كان راعيا للمصالح الأميركية في الصين حتى عام 1977، وكانت بينهما صداقة قوية حتى ان بوش أهداه نسخة من المسلسل الأميركي الشهير «الجذور» (Roots).

بعد محطة الصين قضى المستشار محمد أبوالحسن 3 سنوات أخرى في يوغسلافيا سفيرا للكويت هناك، حيث كانت هذه المحطة الأخيرة التي سبقت التحاقه بمنصب مندوب الكويت الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك في 15 أغسطس من العام 1981 والذي استمر 22 عاما في فترة هي الأطول لأي مندوب دائم لبلاده في الأمم المتحدة حيث انتهى تكليفه بهذه المهمة الوطنية الكبرى في 12 يوليو 2003، فعاصر في تلك الفترة 4 من مشاهير الأمناء العامين للأمم المتحدة هم على التوالي: كورت فالدهايم وخافيير بيريز دي كويار وبطرس بطرس غالي وكوفي عنان.

وقد شهدت هذه الفترة من بين الكثير من الأحداث المهمة حدثين كبيرين هما الحرب العراقية ـ الإيرانية والغزو العراقي الغاشم للكويت، وهما الحدثان اللذان تطلب التعامل معهما مجهودا كبيرا للدفاع عن حقوق الكويت وقضاياها العادلة، والذي وقع جزء كبير منه على مندوبنا الدائم في الأمم المتحدة المستشار محمد أبوالحسن الذي أرجع الفضل في كل جهد بذل في هذه الفترة العصيبة إلى توجيهات ودعم القيادة السياسية ممثلة في أمراء الكويت الراحلين الشيخ جابر الأحمد والشيخ سعد العبدالله والشيخ صباح الأحمد، طيب الله ثراهم، كل في موقعه آنذاك، ولكن إرجاع الفضل إلى أهله لا يقلل مما بذله المستشار أبوالحسن من جهد دؤوب وعمل رائع حفاظا على مصلحة الكويت في فترة من أحلك الفترات، ولا أدل على ذلك من الرفض المتكرر من عميد وزراء خارجية العالم الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، عندما كان وزيرا للخارجية لطلبات أبوالحسن ترك منصبه والعودة للعمل في الكويت حتى يستمر في الذود عن المصالح الكويتية بالأمم المتحدة.

أقسام الكتاب

يحتوي كتاب «حقائق وخفـــايا ذكريــــاتي» على 4 أقسام رئيسية تنحصر فيما جرى داخل الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن بالذات خلال شغل المستشار محمد أبوالحسن منصب مندوب الكويت الدائم بالأمم المتحدة في نيويورك.

وقد جاء القسم الأول بفصل رئيسي موجز عن قبول الكويت عضوا في الأمم المتحدة في العام 1963، بعد صعوبات امتدت على مدار عامين ونصف العام استخدم خلالهما الاتحاد السوفييتي حق النقض (الفيتو) مرتين ليمنع انضمام الكويت إلى الأمم المتحدة، لكن ذلك تحقق أخيرا بعدما تهيأت الأجواء وبعد مجهود كبير.

يتناول القسم الثاني من الكتاب حدثا أفرزت تطوراته وتداعياته وآثاره الجانبية ما هدد الكويت في أمنها واستقرارها، وهو الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت نحو 8 سنوات وبضعة أشهر.

وفي هذا القسم أوضح المستشار محمد أبوالحسن انه كان في هذه الفترة بعد تسلمه مهام منصبه مع أعضاء وفدنا الدائم في الأمم المتحدة في أروقة مجلس الأمن يساهمون في إصدار القرارات اللازمة، ويبادرون في طرح الصياغات المحتملة، مؤكدا أن الشيخ صباح الأحمد، طيب الله ثراه، الذي كان في هذا الوقت نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للخارجية، كان له الدور الرئيسي في مجموعة الوساطات التي قام بها شخصيا ومع لجان تشكلت برئاسته خليجيا وعربيا ومن قبل حركة دول عدم الانحياز، حيث كان لذلك الأثر البالغ في إقناع العراق وإيران بقبول القرار 598 عام 1987 الخاص بوقف إطلاق النار.

الغزو العراقي

القسم الثالث من الكتاب، وهو أكبر أقسامه، يركز بالتفصيل الواسع على الأحداث الغادرة التي بدأت في 2 أغسطس 1990 بغزو العراق للكويت واحتلال اراضيها وضمها إليه، وكذلك على القرارات الـ83 الصادرة عن مجلس الأمن طوال 13 عاما، والتي كان أهمها 12 قرارا مفصليا عن الكويت، وعلى رأس تلك القرارات ما يتعلق بترسيم الحدود بين الكويت والعراق وضمانة مجلس الأمن وهو القرار 833 في عام 1993.

وقد تفرع عن هذا القسم 29 محورا ارتأى المؤلف في صياغتها أن تكون مركزة دون إسهاب أو تقصير حتى يدرك القارئ أجزاءها المنطلقة من مواضيع محددة ومختلفة بعضها عن بعض.

أما القسم الرابع من كتاب «حقائق وخفايا ذكرياتي» فقد تناول فيه المؤلف مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة وكلمات الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيب الله ثراه، أمام الجمعية العامة، والقرارات الأربعة الصادرة عنها بشأن الأسرى والمرتهنين والمفقودين، وكذلك قرار التعاون الدولي لتخفيف ما نجم عن الحالة بين الكويت والعراق من آثار بيئية على الكويت وبلدان المنطقة، وقرار الجمعية العامة بشأن اعتبار يوم 6 من نوفمبر من كل عام يوما عالميا لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات.

محطات في حياة المستشار محمد أبوالحسن

٭ التحق بوزارة الخارجية في شهر يوليو عام 1965.

٭ التحق بوفد الكويت الدائم لدى مكتب منظمة الأمم المتحدة في جنيف عام 1968 إلى 1973.

٭ التحق بسفارة دولة الكويت في ايران عام 1973 الى 1975.

٭ عين سفيرا لدولة الكويت لدى جمهورية الصين الشعبية عام 1975 إلى 1978.

٭ عين سفيرا لدولة الكويت لدى جمهورية يوغسلافيا الاتحادية عام 1978 الى 1981.

٭ عين خلال نفس الفترة سفيرا غير مقيم لدى جمهورية هنغاريا.

٭ عين سفيرا غير مقيم لدى الجمهورية الديموقراطية الألمانية (ألمانيا الشرقية حينذاك).

٭ عين ممثلا دائما لدولة الكويت لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك عام 1981 الى 2003.

٭ عين سفيرا غير مقيم لدى جمهورية كوبا عام 1981 إلى 2003.

٭ عين سفيرا غير مقيم لدى كل من الارجنتين والمكسيك وجزر البهاما.

٭ عين وزيرا للإعلام عام 2003 الى 2005.

٭ عين مستشارا لدى ديوان رئيس مجلس الوزراء عام 2005 الى 2007.

٭ عين مستشارا لدى الديوان الأميري عام 2007 الى الآن.

٭ خلال فترة عمله كممثل دائم للكويت لدى الأمم المتحدة تم انتخابه رئيسا للجنة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة المتخصصة في الشؤون الإنسانية والثقافية والاجتماعية خلال الدورة الـ43 عام 1988.

٭ كرم من قبل حكومات:

– جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية بتاريخ 20 مايو 1981.

– جمهورية الأرجنتين بتاريخ 16 سبتمبر 1988.

– الملكة إليزابيث ملكة بريطانيا بتاريخ 27 نوفمبر 2012.

امتنان وإعزاز للزملاء في وفد الكويت الدائم بنيويورك

قبل ختام الكتاب ذكر المستشار أبوالحسن أسماء الدول الأعضاء في مجلس الأمن طوال السنوات الـ 13 التي انشغل فيها المجلس بموضوع العدوان العراقي على الكويت مع مقدمة عن العضوية في مجلس الأمن وشروطها وكيفية إجراء الانتخابات لها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد ختم المؤلف كتابه بعدة صفحات أسماها «النهاية» سجل فيها امتنانه الشديد واعتزازه بكل من ساعده من ديبلوماسيين في الوفد الدائم للكويت بالأمم المتحدة في نيويورك طوال فترة عملهم معا، قائلا إنه لولا دورهم لم يكن لهذا الكتاب أن يحتوي على كل ما ورد فيه من معلومات وإنجازات.

كما أورد المستشار أبوالحسن قائمة بأسماء الديبلوماسيين الذين عملوا معه طوال تلك الفترة التي بلغت 22 عاما، تقديرا واحتراما لعطائهم.



اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.