خطاب إلى السيدة فيروز … عن الحب والفقد والأسئلة الصعبة | رأي



عزيزتي السيدة فيروز
كل عام .. بل كل صباح وأنتي هنا معنا، تكتبين بصوتك حكاياتنا، نتنفس أغانيكي في شروق الشمس ورائحة البحر ووداع أوراق الشجر كل خريف.

منذ أعوام زرت بيروت لأول مرة، وأول ما سألت عنه : كيف أقابل فيروز؟!
قالوا لي أنك تركتي منزل “الرابية” شرق بيروت من فترة ، وتقيمين في بيتك الثاني بالجبل، وكمحب على باب الله فكرت أن أقطع المسافة لأقف أسفل شرفة منزلك ربما أخطف نظرة من شباك غرفتك، أو أطمع في فنجان قهوة بجوارك لا برفقة صوتك ، وفشلت مثلما فشلت في كل القصص التي غنيتيها لي وعني دون أن تعرفيني.

اسمحي لي باعتراف، أحببتك على أنغام زياد الرحباني، لم أكن مغرمًا بنسختك الرحبانية الأولى، حاشا لله ألا أعترف بعظمتها، ولكن القلب يميل لمن يخطف روحه، ولقد كان زياد صيادا للأرواح ، وجسرك لنا ، لجيلنا، وهو الذي عاني منك ولك كتب بصوتك سيناريوهات كاملة لقصص الحب من أمل البدايات إلى إلم النهايات.

فكرت وحاولت أن أكتب شيئًا جديدا في عيد ميلادك، فلم أجد سوى أغانيكي لتكتب هي عنا وعن قصصنا، أو ربما تلك القصص التي تنتهي ولا نهاية لها .

تركت الحب وأخذت الأسى
أغنية “صباح ومسا” كلمات وألحان زياد الرحباني ، التي صدرت في ألبوم “ولا كيف”، أسمعك تغنين : ” حبيبي كان هني وسهيان مافي غيره .. حملني سنين منن هينين كتر خيره”، تفتحين في قلب كل عاشق لحظة امتنان حقيقية لمن تحملوا سنوات القسوة من أجل الحب، ففتتركين ابتسامة خجولة على شفاه تعترف : “حقيقي كتر خيره”، فلولا هذه السنوات ماترك الحب وأخذ الأسى فأصبح ما بيتنسى .

كل الجمل يعني عم تنتهي فيك
أغنية “عندي ثقة فيك” كلمات وألحان زياد الرحباني من ألبوم “كيفك انت”.
تسأل نفسك من أين أتى كل هذا الأمل وهذه الثقة في البقاء؟ لأنك ببساطة تسمع فيروز وهي تغني : ” معقول في اكتر أنا ما عندي أكتر” ، وتكملها بإجابة على كل الأسئلة : ” حبيتك مثل ماحدا حب ولا بيوم راح بيحب”.
يعشق زياد الرحباني لعبة الأسئلة وإجاباتها في أغانيه، وتبدع فيروز في التعبير عن اللهفة والغموض وربما سذاجة كل سؤال يشعل بين يديك سيجارة، ويفرك جبهتك، ويخطف عينيك للاشيء وتقول هي بالنيابة عنك:” و أنتا شايفها عادية و مش بها الأهمية .. بجرب ما بفهم شو علقني بس فيك”.

ليش بيضلّو إحساسي يقلّي لأ
أغنية في “شي عم بيصير” كلمات وألحان زياد الرحباني من ألبوم “كيفك انت”
بالطبع تعرفين أن زياد اختار مقدمة موسيقية ضبابية تمهد لصوتك كي يعبر عن كل الغموض الذي يشوب القصة، تسألينه : “تسأل علي كتير وبتحبني بعرف هالحكي .. حافظة هالحكي كلّ الحكي حلو .. ومع إنّو حلو ليش بيضلّو إحساسي يقلّي لأ”
كم مرة لم نثق في كلمة حب، في لحظة نادرة، في مشاعر متدفقة مثل المطر الذي يسبق عاصفة مخيفة، مخيفة لأنها لم تُصدق، لماذا ؟ لأننا نعرف أنه “في شي بدّو يصير .. في شي عم بيصير” أيا كان هذا الشيء الذي لا نراه ولا نسمعه محاطًا بجدار عالي عنوانه الخصوصية، وكم من الأشياء التي “تصير” وتمر طالما بقيت آمنة في رحاب الشك بعيدًا عن تجلي الحقيقية.

جرب فيهن أنا إنساك .. ماقدرت نسيت
غنيتي كثيرًا عن النسيان ، وفي كل مرة لا تنسين، لماذا ياجارة القمر؟
أغنية مشحونة بكل الحزن، بكل ما في اليأس من ألم، ومافي الاعتراف من هزيمة، أخبرتينا أننا لن ننسى وسننهزم وسنعترف، واستجديتي البقاء: ” ياريتك مش رايح .. ياريت بتبقى بتبقى ع طول” ، صدقيني لا أحد يبقى للأبد ولا شيء يدوم .

شو بخاف دق عليك وما لاقيك
كنا صغارا، وكنا مفعمين بجرأة ساذجة، نقف أسفل منازل أحبائنا بعد الفراق، هي أنياب الخوف من الوحدة التي افترست قلوبنا الضعيفة، فهربنا منها إلى فرصة لقاء ولو صدفة، جرس هاتف يرن ويتبعه صوت على الجانب الآخر فلا يأتي صوت ولا رد، وأنتي يافيروز كنتي تفتحين نوافذ الحزن في ليلة شتاء باردة وتغنين : شو بخاف حتى الخط ما يلاقيك .. شو بحس انو لازم يلقيك وترد وحاكيك ..وضل عم حاكيك”

هاي قصة ماضي كان عنيف
هل تعرفين أنك صوت الخريف؟ أسمعك في جفاف أوراق الشجر، ورائحة هواء سبتمبر، وغروب مع كوب شاي في شرفة منزلي.
الخريف موسم الحنين والشجن، والتفتيش في أوراق الذكريات، وجلسات السمر عن أحباء كانوا هنا في الخريف الماضي، علمتينا أن نتذكر دائمًا في الخريف.
ربما نراهم صدفة أمام فاترينة محل ملابس، إشارة مرور، على باب مترو، تتذكر ماكان من الوجه المألوف، وروح لا تنطفي، وأشياء طفولية تجعلك تسأل : بعدك بتحن ما بعرف ليش عم بحكي ولا كيف؟!

ودايما بالاخر في وقت فراق
الخروج من قصص الحب الطويلة والعنيفة يمر بك عبر مراحل عدة، بعضنا يفضل الطرق المختصرة فيلقي بالماضي في أقرب سلة “بديل” ولو مؤقت، بينما يعاني آخرون تلك المراحل التي تبدأ بالصدمة، ثم الإنكار، فالتأقلم، وأخيرا التقبل، وهذه الأغنية “أغنية الوداع” هي في الواقع أغنية “التقبل”، قبول الأمر الواقع والرحيل والاقتناع التام بأن ماحدث قد حدث وانتهى ولن يعود، بل غادر عاداتنا اليومية عبر صالة المسافرين إلى الماضي.
تغني فيروز : “غناينا اغاني عاوراق غنيه لواحد مشتاق ودايما بالاخر في وقت فراق” ، تسمعها وتدندن وتتوقف لتودع نهاية وتنتظر بداية جديدة وهي تقول : ” كل ليله بغني بمدينه بحمل صوتي بمشي عطول”.



رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.