سلمان الفارسي


سلمان الفارسي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:

فسلمان الفارسي رضي الله عنه هو أحد الذين كتب الله تعالى لهم الهداية، بالدخول في دين الإسلام، بعد أن كان من المجوس، الذين يعبدون النار، فأحببت أن أذكِّر نفسي وطلاب العلم الكرام بشيء من سيرته العطرة، وتاريخه المشرق المجيد، لعلنا نسير على ضوئه؛ فنسعدَ في الدنيا والآخرة.

 

اسمه ونسبه:

هو سلمان الفارسي، أصله من فارس، وكان اسمه قبل الإسلام: مابه بن بوذخشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك، من ولد آب الملك، وهو سابق الفرس إلى الإسلام.

 

كنيته: أبو عبدالله.

 

ويُقال له: سلمان ابن الإسلام، وسلمان الخير؛ [أسد الغابة لابن الأثير، ج: 2، ص: 283، سير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 1، ص: 505].

 

إسلام سلمان الفارسي:

روى أحمد عن عبدالله بن عباس، قال: حدثني سلمان الفارسي حديثه من فيه (فمه)، قال: ((كنت رجلًا فارسيًّا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يُقال لها: جي، وكان أبي دهقان قريته – كبيرها – وكنت أحبَّ خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته؛ أي ملازمَ النار، كما تُحبس الجارية، وأَجهدتُ في المجوسية حتى كنت قَطَنَ – خادم – النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعةً، قال: وكانت لأبي ضَيعة – أرض – عظيمة قال: فشُغل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بني، إني قد شُغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطَّلِعْها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري ما أمرُ الناس لحبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم، دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتِها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله، قال: فلما جئته قال: أي بني، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس، قال: أي بني، ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، قال: قلت: كلا، والله إنه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدًا، ثم حبسني في بيته، قال: وبعثتْ إليَّ النصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى، فأخبروني بهم، قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم: إذا قضَوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فآذِنوني بهم، قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم، أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام، فلما قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة، قال: فجئته، فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك وأصلي معك، قال: فادخل فدخلت معه، قال: فكان رجلَ سوءٍ، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء، اكتنزه لنفسه ولم يعطِهِ المساكين، حتى جمع سبع قِلال من ذهب وورق، قال: وأبغضته بغضًا شديدًا لِما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها، اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئًا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: فدُلَّنا عليه، قال: فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلًا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه، أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببته حبًّا لم أحبه مَن قبله، وأقمت معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك وأحببتك حبًّا لم أحبه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك الناس، وبدَّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجلًا بالموصل؛ وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالْحَقْ به، قال: فلما مات وغُيِّب، لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على أمره عنده، فوجدته خير رجل على أمر صاحبه، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضرك من الله عز وجل ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا بِنِصِّيبين؛ وهو فلان، فالْحَقْ به، وقال: فلما مات وغُيِّب، لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي، قال: فأقِمْ عندي، فأقمت عنده، فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر، قلت له: يا فلان، إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما نعلم أحدًا بقِيَ على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلًا بعمورية، فإنه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأتِه، قال: فإنه على أمرنا، قال: فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب عمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقِم عندي، فأقمت مع رجل على هديِ أصحابه وأمرهم، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغُنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله، فلما حضر، قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمانُ نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب، مهاجرًا إلى أرض بين حَرَّتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى؛ يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد، فافعل، قال: ثم مات وغُيِّب فمكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث، ثم مر بي نفر من كلب تجارًا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم، فأعطيتهموها، وحملوني، حتى إذا قدموا بي وادي القرى، ظلموني، فباعوني من رجل من يهود عبدًا، فكنت عنده، ورأيت النخل، ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يحِق لي في نفسي، فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكرٍ، مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي، أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالس، إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه، فقال فلان: قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدِم عليهم من مكة اليوم، يزعمون أنه نبي، قال: فلما سمعتها أخذتني العُرَوَاء، حتى ظننت سأسقط على سيدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي، فلكمني لكمةً شديدةً، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبِلْ على عملك، قال: قلت: لا شيء، إنما أردت أن أستثبت عما قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلما أمسيت أخذته، ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، قال: فقربته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلت في نفسي: هذه واحدة، ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئت به، فقلت: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازةً من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدرته، عرف أني أستثبت في شيء وُصف لي، قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبِّله وأبكي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحول فتحولت، فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا بن عباس، قال: فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه، ثم شغل سلمان الرق، حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد، قال: ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: كاتِبْ يا سلمان، فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفَقير، وبأربعين أوقِيَّةً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين وديةً، والرجل بعشرين، والرجل بخمس عشرة، والرجل بعشر – يعني الرجل بقدر ما عنده – حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب يا سلمان ففقِّر لها، فإذا فرغت فأتني أكون أنا أضعها بيدي، ففقرت لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها، جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها، فجعلنا نقرب له الودي، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها ودية واحدة، فأديت النخل، وبقِيَ عليَّ المال، فأُتيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: ما فعل الفارسي المكاتب؟ قال: فدُعيت له، فقال: خذ هذه، فأدِّ بها ما عليك يا سلمان، فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟ قال: خذها؛ فإن الله عز وجل سيؤدي بها عنك، قال: فأخذتها فوزنت لهم منها – والذي نفس سلمان بيده – أربعين أوقيةً فأوفيتهم حقهم، وعُتقت، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، ثم لم يفُتْني معه مشهد؛ [حديث حسن، مسند أحمد، ج: 39، ص: 140، حديث: 23737].

 

علم سلمان الفارسي:

روى سلمان ستين حديثًا، وأخرج له البخاري أربعة أحاديث، ومسلم ثلاثة أحاديث، روى عنه ابن عباس، وأنس بن مالك، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد الخدري، وكعب بن عجرة، وأبو عثمان النهدي، وشرحبيل بن السمط، وغيرهم؛ [سير أعلام النبلاء للذهبي، ج: 1، ص: 505، أسد الغابة لابن الأثير، ج: 2، ص: 287].

 

روى البخاري عن سلمان الفارسي قال: “فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ستمائة سنة”؛ [البخاري حديث: 3948].

 

روى الترمذي عن يزيد بن عميرة قال: ((لما حضر معاذ بن جبل الموتُ، قيل له: يا أبا عبدالرحمن، أوصِنا، قال: أجلسوني، فقال: إن العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث مرات، والتمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبدالله بن مسعود، وعند عبدالله بن سلام، الذي كان يهوديًّا فأسلم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه عاشر عشرة في الجنة))؛ [حديث صحيح، صحيح سنن الترمذي للألباني، حديث: 2991].

 

روى ابن سعد عن أبي البختري قال: “سُئل علي بن أبي طالب عن سلمان الفارسي، فقال: أُوتيَ العلم الأول والعلم الآخر، لا يُدرَك ما عنده”؛ [الطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 4، ص: 64].

 

روى ابن سعد عن يزيد بن عميرة، وكان تلميذًا لمعاذ بن جبل، أن معاذًا أمره أن يطلب العلم من أربعة، أحدهم سلمان الفارسي؛ [الطبقات الكبرى، لابن سعد، ج: 4، ص: 64].

 

مناقب سلمان الفارسي:

(1) روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: ((كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأُنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾ [الجمعة: 3]، قال: قلت من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا – اسم كوكب – لَنَاله رجال أو رجل من هؤلاء))؛ [البخاري حديث: 4898، مسلم حديث: 2546].

 

(2) روى البخاري عن أبي جحيفة وهب السوائي، قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلةً – مرتدية ثياب مهنة المنزل، وتاركة لثياب الزينة – فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كُلْ، قال: فإني صائم، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل، ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نَمْ، فنام ثم ذهب يقوم، فقال: نَمْ، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصَلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان))؛ [البخاري حديث: 1968].

 

(3) روى مسلم عن معاوية بن قرة عن عائذ بن عمرو، ((أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذَها، قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم، لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر، فقال: يا إخوتاه، أغضبتكم؟ قالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي))؛ [مسلم حديث: 2504].

 

هذا الإتيان لأبي سفيان كان قبل إسلامه في الهدنة بعد صلح الحديبية، وذلك عندما جاء لزيارة ابنته، أم حبيبة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة؛ قال النووي: “في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء”؛ [مسلم بشرح النووي، ج: 8، ص: 305].

 

جهاد سلمان الفارسي:

شهد سلمان مع النبي صلى الله عليه وسلم الخندق، وهو الذي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وشهد خيبرَ، وفتحَ مكة، وحنينًا، وتبوك، وغيرها من باقي المشاهد، وشهد فتوح العراق، وكان أميرًا على المدائن (عاصمة الفرس) في خلافة عمر بن الخطاب؛ [أسد الغابة لابن الأثير، ج: 2، ص: 285، الإصابة لابن حجر العسقلاني، ج: 2، ص: 60].

 

أخوة الإسلام بين سلمان وعمر بن الخطاب:

قال العتبي: “بعث إليَّ عمر بن الخطاب بحُلَل (ثياب) فقسمها، فأصاب كل رجل ثوبًا، ثم صعد المنبر وعليه حلة، والحلة ثوبان، فقال أيها الناس: ألا تسمعون، فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: لم يا أبا عبدالله؟ قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا، وعليك حلة، فقال: لا تعجل يا أبا عبدالله، ثم نادى: يا عبدالله بن عمر، فقال: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: نشدتك الله – أستحلفك بالله – الثوب الذي ائتزرتُ به، أهو ثوبك؟ قال: اللهم نعم، قال سلمان: فقل الآن نسمع”؛ [صفة الصفوة لابن الجوزي، ج: 1، ص: 535].

 

سلمان يأكل من عمل يده:

(1) قال الحسن البصري: “كان عطاء سلمان الفارسي خمسة آلاف درهم، وكان أميرًا على ثلاثين ألفًا من أهل المدائن، عاصمة الفرس، يخطب في عباءة، يفترش نصفها ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤه، تصدق به، وكان يأكل من عمل يده؛ [الطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 4، ص: 65].

 

(2) قال النعمان بن حميد: “دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن – وكان سلمان أميرًا عليها – وهو يعمل الخوص فسمعته يقول: أشتري خوصًا بدرهم، فأعمله، فأبيعه بثلاثة دراهم، فأعيد درهمًا فيه، وأنفق درهمًا على عيالي، وأتصدق بدرهم، ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت”؛ [الطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 4، ص: 66].

 

تواضع سلمان الفارسي:

روى أبو نعيم عن أبي قلابة: أن رجلًا دخل على سلمان الفارسي، وهو يعجن، فقال: ما هذا؟ فقال: بعثنا الخادم في عمل، فكرهنا أن نجمع عليه عملين؛ [حلية الأولياء لأبي نعيم، ج: 1، ص: 201].

 

قبس من كلام سلمان الفارسي:

(1) قال أبو البختري: “صحب سلمان رضي الله تعالى عنه رجلٌ من بني عبس، قال: فشرب من نهر دجلة شربة، فقال له سلمان: عُدْ فاشرب، قال الرجل: قد رويتُ، قال سلمان: أترى شربتك هذه نقصت من ماء دجلة شيئًا؟ قال: لا، قال: كذلك العلم لا ينقص، فخُذْ من العلم ما ينفعك؛ [حلية الأولياء لأبي نعيم، ج: 1، ص: 188].

 

(2) قال سلمان: “أكثر الناس ذنوبًا يوم القيامة أكثرهم كلامًا في معصية الله عز وجل”؛ [حلية الأولياء لأبي نعيم، ج: 1، ص: 188].

 

(3) قال سلمان: “أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث: ضحكت من مؤمِّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يُغفَل عنه، وضاحك ملء فيه، لا يدري أمسخطٌ ربه أم مرضيه، وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة؛ محمد وحزبِه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين، حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة”؛ [حلية الأولياء لأبي نعيم، ج: 1، ص: 207].

 

(4) قال سالم مولى زيد بن صوحان: “كنت مع مولاي زيد بن صوحان في السوق، فمرَّ علينا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، وقد اشترى وسقًا (كمية كبيرة) من طعام، فقال له زيد: يا أبا عبدالله، تفعل هذا، وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إن النفس إذا أحرزت رزقها (حصلت عليه)، اطمأنت، وتفرغت للعبادة، ويئس منها الوسواس”؛ [حلية الأولياء لأبي نعيم، ج: 1، ص: 207].

 

(5) قال سلمان: “إنما مَثَلُ المؤمن في الدنيا كمثل المريض معه طبيبه الذي يعلم داءه ودواءه، فإذا اشتهى ما يضره، منعه، وقال: لا تقربه، فإنك إن أتيته أهلكك، فلا يزال يمنعه حتى يبرأ من وجعه، وكذلك المؤمن يشتهي أشياء كثيرة مما قد فضل به غيره من العيش، فيمنعه الله عز وجل إياه ويحجزه، حتى يتوفاه، فيُدخله الجنة”؛ [صفة الصفوة لابن الجوزي، ج: 1، ص: 546، 547].

 

(6) قال سلمان: “إذا أسأت سيئة في سريرة (السر)، فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية، فأحسن حسنة في علانية؛ لكي تكون هذه بهذه”؛ [صفة الصفوة لابن الجوزي، ج: 1، ص: 548].

 

(7) قال سلمان: “لما خلق الله آدم، قال: واحدة لي وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك؛ فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئًا، وأما التي لك فما عمِلت من شيء جزيتُك به، وأما التي بيني وبينك، فمنك المسألة والدعاء، وعليَّ الإجابة”؛ [إسناده صحيح، مصنف ابن أبي شيبة، ج: 12، ص: 99، رقم: 35664].

 

(8) قال سلمان: “كانت امرأة فرعون تُعذَّب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، فكانت ترى بيتها من الجنة”؛ [إسناده صحيح، مصنف ابن أبي شيبة، ج: 12، ص: 99، رقم: 35665].

 

(9) قال سلمان: “إذا كان العبد يذكر الله في السراء ويحمده في الرخاء، فأصابه ضرٌّ فدعا الله، قالت الملائكة: صوت معروف من امرئ ضعيف، فيشفعون له، وإن كان العبد لم يذكر الله في السراء، ولا يحمده في الرخاء، فأصابه ضر فدعا الله، قالت الملائكة: صوت منكر فلم يشفعوا له”؛ [إسناده صحيح، مصنف ابن أبي شيبة، ج: 12، ص: 101، رقم: 35673].

 

(10) روى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان، قال: قال لي سلمان الفارسي: “إن السوق مَبيض الشيطان ومَفرخه، فإن استطعت ألَّا تكون أول من يدخلها، ولا آخر من يخرج منها، فافعل”؛ [إسناده صحيح، مصنف ابن أبي شيبة، ج: 12، ص: 104، رقم: 35684].

 

(11) قال سلمان: “لو بات الرجلان أحدهما يعطي القيان البيض (يُكثِر من الصدقات)، وبات الآخر يقرأ القرآن ويذكر الله، لرأيت أن ذاكر الله أفضل”؛ [إسناده صحيح، مصنف ابن أبي شيبة، ج: 12، ص: 103، رقم: 35679].

 

(12) روى ابن أبي شيبة عن جرير، قال: “نزلنا الصفاح (اسم مكان) فإذا نحن برجل نائم في ظل شجرة، قد كادت الشمس تبلغه، قال: فقلت للغلام: انطلق بهذا النطع فأظِلَّه، فلما استيقظ إذا هو سلمان، قال: فأتيته أسلم عليه، قال: فقال: يا جرير، تواضع لله، فإن من تواضع لله رفعه الله يوم القيامة، يا جرير، هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قال: قلت: لا أدري، قال: ظلم الناس بينهم في الدنيا، ثم أخذ عودًا لا أكاد أراه بين إصبعيه، فقال: يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تجده، قال: قلت: يا أبا عبدالله، أين النخل والشجر؟ فقال: أصوله اللؤلؤ والذهب، وأعلاه الثمر”؛ [إسناده صحيح، مصنف ابن أبي شيبة، ج: 12، ص: 101، رقم: 35672].

 

وفاة سلمان الفارسي:

(1) روى ابن ماجه عن ثابت عن أنس بن مالك قال: ((اشتكى سلمان فعاده سعد – أي: ابن أبي وقاص – فرآه يبكي، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخي؟ أليس قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أليس، أليس، قال سلمان: ما أبكي واحدةً من اثنتين؛ ما أبكي ضنًّا للدنيا، ولا كراهيةً للآخرة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهِد إليَّ عهدًا، فما أراني إلا قد تعديت، قال: وما عهد إليك؟ قال: عهد إليَّ أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولا أراني إلا قد تعديت، وأما أنت يا سعد، فاتقِ الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت، وعند همِّك إذا هممت، قال ثابت: فبلغني أنه ما ترك إلا بضعةً وعشرين درهمًا من نفقة كانت عنده))؛ [حديث صحيح، صحيح ابن ماجه للألباني، حديث: 3312].

 

(2) قال عامر الشعبي: “أصاب سلمان صرة مسك يوم فُتحت جلولاء، فاستودعها امرأته، فلما حضرته الوفاة، قال: هاتي هذه المسكة، فمرسها – ضعيها – في ماء، ثم قال: انضحيها حولي؛ فإنه يأتيني زوَّار الآن، قال: ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلًا حتى قُبض (مات)”؛ [الطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 4، ص: 69].

 

توفي سلمان الفارسي في خلافة عثمان بن عفان بالمدائن، سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة؛ [صفة الصفوة لابن الجوزي، ج: 1، ص: 548].

 

بشرى صالحة:

روى ابن سعد عن سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن سلام أن سلمان قال له: أي أخي، أينا مات قبل صاحبه، فليتراءَ له، قال عبدالله بن سلام: أو يكون ذلك؟ قال: نعم، إن نَسَمة المؤمن مخلَّاة (طليقة) تذهب في الأرض حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجن، فمات سلمان، فقال عبدالله: فبينما أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي، فأغفيت إغفاءة، إذ جاء سلمان، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقلت: السلام عليك ورحمة الله أبا عبدالله، كيف وجدت منزلك؟ قال: خيرًا، وعليك بالتوكل، فَنِعْمَ الشيءُ التوكلُ، وعليك بالتوكل، فنعم الشيء التوكل، وعليك بالتوكل، فنعم الشيء التوكل؛ [الطبقات الكبرى لابن سعد، ج: 4، ص: 70، حلية الأولياء لأبي نعيم، ج: 1، ص: 205].

 

رحم الله سلمان الفارسي رحمةً واسعةً، وجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة.

 

ختامًا: أسأل الله تعالى بأسمائه الـحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به طلاب العلم الكرام، وأرجو كل قارئ كريم أن يدعو الله سبحانه لي بالإخلاص، والتوفيق، والثبات على الحق، وحسن الخاتمة؛ فإن دعوة المسلم لأخيه المسلم بظهر الغيب مستجابة؛ وأختم بقول الله تعالى: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].

 

وآخر دعوانا أن الـحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا مـحمد، وآله، وأصحابه، والتابعين لـهم بإحسان إلى يوم الدين.





رابط المصدر

التعليقات مغلقة.