“فستان حبيبة” قلب الدنيا… ومصر الأخرى تطل برأسها

” #فستان_حبيبة ”  قلب الدنيا…

ومصر الأخرى تطل برأسها

التشكيك في درجة التدين والتدقيق في نوعية السلوك وإصدار الأحكام المطلقة كثيراً ما وجدت في اللباس منصة ووسيلة

قَلَبَ الفستان حال مصر. لا صوت يعلو على صوت الفستان وصاحبته وحق المجتمع في تحديد ما ترتدي النساء وما لا يرتدين. غلب الفستان انتصار الأهلي على الترجي، وقهر قطار حلوان والعمارة السكنية المعتدية على خط سيره، ووضع سد النهضة وقلاقله ومخاوفه على خاصّية الانتظار.

وأصبح الفستان الذي ارتدته حبيبة طارق (20 سنة) حديث القاصي والداني، نصير الدولة الدينية، ورافع راية الدولة المدنية، المسلم والمسيحي، الرجعي والمتفتح، المهتم بالشأن العام والمنغلق على ذاته.

مسّ الفستان العصب الحائر. ولأنه حائر منذ ما يزيد على خمسة عقود، كان المسّ مدوياً. ويوم توجهت طارق إلى جامعة طنطا (شمال القاهرة) حيث تدرس في كلية الآداب لأداء الامتحان، لم تكن تدري أنها وفستانها سيتحولان إلى حديث مصر والعالم العربي وجانب من الغربي بعد سويعات قليلة.

تهكمات الفستان

اتبعت الإجراءات المنصوص عليها، سلّمت بطاقتها الشخصية قبل دخول قاعة الامتحان، لكن لاحظت أن الجميع يرمقها بنظرات حادة. تحوّلت النظرات الحادة إلى تهكمات قاسية وتبكيتات متواصلة وجميعها يدور حول الفستان. المسألة لم تقتصر على التحرش بالنظر والكلام الذي بات مكوناً من مكونات الحياة اليومية للأنثى، إذ فوجئت بتوقيف سيدتين – إحداهما ترتدي النقاب والثانية خماراً- وإمطارها بسيل من اللوم الحاد.

بدأت “المأساة” بأن نادت إحداهما الأخرى داعية إياها لـ”تعالي شوفي لابسة إيه؟!”، ومن ثم سألتها إحداهما “هل نسيت ارتداء البنطلون؟” واستمر فاصل التبكيت والسخرية المعبّأين بالتنمر. قالت إحداهما للأخرى “هذه مسلمة ولم تعُد ترتدي الحجاب. قرّرت ألا تكون “محترمة” و”قليلة الأدب”. كانت سابقاً محجبة ومحترمة”. واتضح أن المراقبتين اطلعتا على هويتها الشخصية التي تركتها قبل الامتحان إذ إن صورتها بالحجاب. ومضت السيدتان قدماً في تنمرّهما وقالت إحداهما لها “أثناء مشيك سيطيّر الهواء فستانك. ربنا يهديك وترجعي لحجابك”.

وما زاد طين التنمر بلّة سؤال الموظف المتخصص في تسليم بطاقات الهوية لها “أنت مسلمة أم مسيحية؟” وحين أبدت تعجبها من السؤال، ردّ بعصبية بعدما رمقها بنظرة غريبة “خلاص خلاص”.

وجاء الخلاص المبدئي عبر منصات التواصل الاجتماعي. خضوعها للتنمر والتحرش والأسئلة السخيفة والنظرات الغريبة منذ أن دخلت باب الجامعة وحتى مغادرتها، ووضعها تحت ضغط نفسي هائل غير متوقع، أفقدها القدرة على التفكير في الرد. وما إن عادت إلى البيت حتى كتبت على “فيسبوك” ما تعرضت له لتتحوّل التفاصيل بعد دقائق إلى “ترند” عنكبوتي وقضية رأي عام في الشارع وعلى منصات الإعلام التقليدي باختلافها.

أفسد الخلاف كل قضية

اختلاف آراء المصريين والمصريات حول الفستان أفسد للودّ كل قضية. وكما هو متوقع، سرعان ما انقسم الملايين فريقاً مؤيداً لحق الطالبة في ارتداء فستان، وآخر معارضاً للفستان.

المثير في “المباراة” ليس تأييد حق الطالبة في ارتداء الفستان أو سلبها هذا الحق، بل الانغماس في موديل الفستان ذي الأكمام الطويلة والطول الممتد تحت الركبة والصدر المغطى، والتنقيب في مآثر الماضي القريب وقت كانت نساء مصر وشاباتها وفتياتها يرتدين فساتين بكل الأطوال من دون أن يجرؤ أحد على اتهامهن “بالفجور أو الفسوق” أو الابتعاد عن الدين، وتوقع أن تكون الطالبة  وضعت ساقاً على ساق أو انحنت أو التفتت أو تنفست أو سعلت أو عطست، فانكشف ما لا ينبغي أن ينكشف.

كشف حديث الفستان عن الكثير. الفستان المزركش باللونين الأبيض والأسود انضم إلى قائمة منتقاة من الأحداث التي كشفت النقاب عما ألمّ بالمجتمع المصري على مدار ما يزيد على نصف قرن. الكاتب الصحافي الطبيب خالد منتصر كتب أن “ما حدث هو حصاد عشرات السنوات من إهمال ما يحدث من فقدان للهوية وانتشار الأفكار السلفية كالسرطان فى نخاع الوطن، وإغفال التشوهات الاجتماعية وتضخم غدة الوصاية والحسبة، وكراهية الجمال والتآلف مع القبح”.

حرة وجميلة

القبح الكاره للجمال تحدثت عنه الإعلامية دينا عبد الكريم بقولها إن “ارتداء حبيبة طارق فستاناً مريحاً وجميلاً أغضب المراقبة لكونها (طارق) حرة وجميلة، فافترضت أن حبيبة فريستها، وأنها يمكن أن تنتصر عليها بحرب كلامية رخيصة لسبب يخصها لا يخص حبيبة”.

وتستطرد عبد الكريم في تفسير ما حدث للطالبة في ضوء ما جرى للمجتمع المصري على مدار أعوام وافتراض كثير من النساء والرجال من المتعلمين والجهلاء على حد سواء أن على كل مَن حولهم الالتزام في حياته بصورة ذهنية محفورة في مخيلتهم. وتقول “هم يرفضون وجودك من الأصل لأنك مختلف”.

الدولة الموازية

لكن الاختلاف حول ما جرى في المجتمع المصري على مدار نصف قرن وخضوعه لدولة موازية، ألا وهي الدولة الدينية. المثير أن أصواتاً وأقلاماً عدة حذّرت من “الدولة الموازية” التي ترعرعت في بر مصر على مدار عقود، لكن أنظمة الحكم السابقة لم تلتفت إلى التحذيرات، أو ربما التفتت لكن قللت من خطورتها.

دراسة نُشِرت في دورية صادرة عن “مركز المشاريع الدولية الخاصة” في الولايات المتحدة الأميركية عام 2006 عن التراجع الذي تشهده الدولة المصرية أمام دولة موازية كبيرة نشأت عشوائياً كالسرطان، تطرقت إلى جماعة “الإخوان المسلمين” التي تصنفها الدولة جماعة إرهابية، باعتبارها مثالاً على “الدويلة الموازية” وتنامي سلطانها ونفوذها.

عملت الجماعة لعقود طويلة خارج الإطار الرسمي للدولة، فاستطاعت تدريجاً أن تسيطر على غالبية النقابات المهنية وتغلغلت في الجامعات وشيّدت شبكة موازية تقدم الخدمات الاجتماعية والتكافلية لتسدّ النقص الناجم عن غياب الدولة الرسمية.

ونجحت الجماعة في النمو بعيداً من أعين الدولة، لتنشر دعوتها من خلال منابر المساجد والزوايا في الوقت الذي وجدت الأحزاب الشرعية نفسها ممنوعة من مخاطبة الجماهير وغير قادرة على العمل في الشارع أو الجامعات أو التجمعات العمالية نتيجة القيود الأمنية والبيروقراطية.

وعجزت الأحزاب الليبرالية عن منافسة جماعة “الإخوان” التي أطلقت يدها في مصادر التمويل وفي التمثيل البرلماني، فأحكمت قبضتها على المجتمع قلباً وقالباً. وكانت النتيحة صعود دولة موازية سياسية واجتماعية وخدمية.

وذكرت الدراسة أن جماعة “الإخوان المسلمين” لا تطرَح نفسها كمُجرد بديل للحزب الحاكم القائم أو حتى للنظام السياسي، إنما كبديل للدولة القائمة. تريد الجماعة إقامة دولة دينية كفيلة بقلب الأمور رأساً على عقب ابتداءً من نمَـط الحياة إلى السياسة الخارجية. ستكون هناك مصر أخرى.

مصر الأخرى

مصر الأخرى تطلّ برأسها بين وقت وآخر هذه الآونة. وأطلّت إطلالة واضحة عبر فستان حبيبة طارق. ويرى خالد منتصر في واقعة “فستان حبيبة” رسائل عدة، فما قاله الطبيب والقيادي الإخواني الذي توفي في محبسه قبل أشهر عصام العريان من أن “توزيع الخمار فى الجامعة كان معركة الإخوان الكبرى، وإنها كانت معركة حياة أو موت، وها نحن نحصد ثمار ما بذروه. تم التمييز فى الشارع، وصار الموظف فى الجامعة عندما يرى فتاة من دون حجاب يعتبرها مسيحية فوراً، ويتعامل معها بمنطق استعلائي عنصري تكفيري، سكين الإخوان طعن المواطنة في مقتل، ورسخ الفرز الطائفي منذ بداية الثمانينيات”.

ويصف منتصر ما قامت به المراقبتان بـ”الحشرية” والوصاية اللزجة والاقتحام الغبي لحياة الآخرين ومساحاتهم الشخصية. فهما مراقبتان وليستا مصممتي أزياء تأمران الطالبة بارتداء بنطلون ويتم تصنيفها باعتبارها قليلة الأدب لأنها لا ترتديه”.

“ارتداء الطالبة المسلمة هذا الفستان يعكس نقصاً في التربية واعتلالاً في الإيمان. ويفترض أنها تذهب إلى الجامعة من أجل تحصيل العلم وليس تحميل الرجال والشباب الذنوب بالنظر إلى جسدها” بحسب ما يرى محمد ص. على “فيسبوك”، وهو الرأي الذي تفاعل معه بالإيجاب والموافقة معظم أصدقائه.

بل ذهب البعض منهم إلى نعت الطالبة بنعوت تراوحت بين “الفجور” و”الفسق” والزمن برمّته بـ “زمن الرويبضة”. وغرد آخر “تضخيم موضوع فستان جامعة طنطا يؤكد أن هناك سبباً آخر، وأغلب الظن إنها نيّة مبيّتة لتشويه المتدينات وإظهارهن بمظهر المتخلفات المتزمتات”.

خلافات الفساتين

وكما جرى عرف خلافات الفساتين في الأعوام القليلة الماضية، فإن فريق أعداء الفساتين اعتبر أن من يدافع عن حق المرأة في ارتداء فستان، يطالب بالتبعية لتعرية النساء ونشر “الفجر وبث الفسوق” في المجتمع. وأوضح فريق أصدقاء الفساتين أن العداء المضمر للفستان يعكس مجتمعاً فقد هويته وسلّمها إلى تيار سياسي اجتماعي يرتدي عباءة الدين ويعمل منذ عقود على تقسيم نساء مصر إلى نوعين: نوع يرتدي الحجاب أو الخمار أو النقاب ملتزم ومتدين يتربع على القمة، ونوع لا يرتدي ما سبق وهنّ إما مسلمات غير ملتزمات أو مسيحيات وكلاهما في مرتبة أدنى.

يقول خالد منتصر إن ما جرى في جامعة طنطا ربما خطوة في رحلة ترهيب وخطة تخويف من الفاشية الدينية لطالبات الجامعات اللواتي سيُرجَمن بالكلمات والتحرش بالخارجات عن الكتالوغ السلفي”.

لكن “الكتالوغات” كثيرة ومجريات ضبط الإيقاع عدة. فقد تزامنت قضية الفستان وقضية بوركيني سارعت بطلتها إلى انتهاج النهج ذاته ولكن من على البر الآخر. دينا هشام (26 سنة) سارعت إلى منصات التواصل الاجتماعي بفيديو وهي تبكي بحرقة لتروي مأساتها في منعها من نزول المسبح في أحد التجمعات السكنية المغلقة (كومباوند) لأنها ترتدي “البوركيني” المسمّى بلباس البحر الشرعي للمحجبات.

الانهيار التام الذي ألمّ بدينا تحسّن نسبياً بظهورها على شاشات التلفزيون لتشرح ما تعرّضت له من “تنمر وعنصرية” على حد قولها. ومضت تفسر منعها من نزول المسبح الذي تقصر إدارته النزول فيه على مرتديات ملابس البحر العادية بأنه “ضغط مقصود لجعل المحجبات يتعرّين”. وطالبت هشام بأن “يحترم الجميع ملابسها كما تحترم هي قيام آخرين بخلع ملابسهم”.

علاقة اللبس والخلع

وبين اللبس والخلع علاقة طويلة عمرها خمسة عقود. فالمعترض على النقاب يتم وضعه من دون تفاهم في خانة الداعين إلى العري. والموافقون على قصر أماكن بعينها على غير المحجبات عنصريون وفوقيون من دون شك. التشكيك في درجة التدين والتدقيق في نوعية السلوك وإصدار الأحكام المطلقة كثيراً ما وجدت في الفستان منصة ووسيلة.

ففي عام 2007، فرض فستان ارتدته الفنانة يسرا في افتتاح فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي نفسه على الجميع، بل وصل إلى دهاليز مجلس النواب (الشعب آنذاك). وصف البعض الفستان بـ “الفاضح”، واعتبره آخرون يضرّ بسمعة مصر باعتبارها دولة إسلامية.

وعام 2018، أثارت الفنانة رانيا يوسف زوبعة هائلة بفستان كاشف وانخرط الجميع في جدل ساخن حول كيفية التصرف إزاء الفستان، لدرجة أن أحدهم توجّه إلى القضاء بتهمة الظهور بفستان شبه عار ومخلٍّ بالآداب العامة ويثير الشهوات وهو ما يتنافى وسلوكيات المصريين.

إحالة قضية “فستان حبيبة” إلى النائب العام من قبل رئيس الجامعة محمود زكي ربما يضع كلمة النهاية أمام ما تعرّضت له الطالبة في ذلك اليوم، لكنه أبعد ما يكون عن غلق باب التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري على مدار عقود والآخذة في الانفجار في وجوه الجميع منذ أحداث يناير (كانون ثاني) 2011.

أما رئيسة المجلس القومي للمرأة مايا مرسي، فقالت “البنت تحترم، تلبس فستان تحترم، تلبس حجاب تحترم، تلبس لباس بحر تحترم، تلبس بوركيني تحترم. فرض الوصاية على الناس جريمة، والقانون موجود”.

المصدر :  اندبدنت

Leave A Reply

Your email address will not be published.