كيف أتقبل نفسي؟

السؤال:

الملخص:

شاب سبَّب له الاكتئاب فقدًا لكثير من علاقاته الاجتماعية، ثم استعاد نفسه مع السفر والدراسة، لكنه يلحظ في نفسه شيئًا من آثار الماضي، من عدم تقبُّل الذات، وضَعف الثقة بالنفس، ويسأل: ما الحل؟

تفاصيل السؤال:

السلام عليكم.

في عمر المراهقة عانيت من اكتئاب ووساوس قهرية في العقيدة جعلتني أنشغل عن دراستي، وأنجح بمستوى متدنٍّ في الثانوية العامة، مع أني كنت من المتفوقين طوال مراحلي الدراسية، وهذا سبَّب لي حزنًا كبيرًا وضعفًا في الثقة بنفسي، حتى إنني خسرت كثيرًا من أصدقائي، بعد أن كنت محبوبًا من الجميع، دخلت جامعة خاصة وكنت غير مقتنع بها، ولكن لم يكن لديَّ خيار آخر، خلال الجامعة كنت في حالة تشوش؛ لأن معظم زملائي كانوا منفتحين ويحبون خوض تجارب جديدة، أما أنا فقد كانت تربيتي دينية، وكنت أمتنع عن التدخين أو الكلام مع الفتيات، طوال فترة الجامعة كنت أعاني من تدخلات والدي في دراستي وحياتي الشخصية، وشعرت أن هذا كان يقتل شخصيتي ويزيد من خجلي الاجتماعي، ويقلل ثقتي في نفسي، تخرجت في الجامعة، وقرر والدي إرسالي إلى أمريكا لإكمال دراستي، فأعجبتني الفكرة، خاصة أنني أريد الخروج من جو الاكتئاب وتغيير حياتي إلى الأفضل، وفي أمريكا وجدت عملًا وكنت أعمل بجدٍّ؛ لأن ذلك كان يساعدني على نسيان الماضي، أحسست في أمريكا أن ذهني تفتح أكثر على الحياة، وكنت أشعر بأني بدأت الخروج من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة والاعتماد على الذات، وخلال دراسة الماجستير عانيت؛ لأن لغتي الإنجليزية لم تكن بالمستوى المطلوب، وكنت أخجل من المشاركة في المحاضرة ومن التكلم أمام الطلاب في البرزنتيشن، المهم بعد أن أنهيت الماجستير، وجدت عملًا آخر في شركة أمريكية، بعد أن كنت أتدرب في مكتب عربي، في عملي الجديد تحسَّنت نفسيتي كثيرًا، واستطعت تكوين علاقات كثيرة، وكسب خبرات عملية، مشكلتي أني أحيانًا أشعر أن مشاكل الماضي تراودني وتخيفني، ولا أستطيع تقبلها ونسيانها تمامًا، أيضًا أشعر أنني – حتى بعد أن وصلت إلى مستوى مقبول في التواصل الاجتماعي – ما زلت أعاني من ضعف ثقة في النفس، أشعر به في داخلي لكني لا أبوح به، وأحاول دائمًا أن أكون دبلوماسيًّا وبعيدًا عن المشاكل قدر الإمكان، وفيما يخص أمر الزواج فإن إيجاد فتاة للزواج صعب، مع أني حسن المظهر ووضعي المادي جيد، ولكن ليس لدي فكرة عن مواصفات الفتاة المناسبة لي، وأعتقد أن الطريقة التقليدية في الزواج قد انقرضت ولم تعد تصلح في هذا الزمان، سؤالي: كيف أُعْلِي من ثقة في نفسي، خاصة أن هواياتي محدودة جدًّا؟ وكيف أفلح في تخطي الماضي وتقبل نفسي؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله؛ أما بعد:

فمرحبًا أخي الكريم، ونشكركَ على الثقة بهذا الموقع.

المبادرة في طلب إصلاح الوضع الحالي عبر الاستشارة علامة جيدة على استشعار الإنسان لمسؤوليته تجاه نفسه، لكننا في بعض الأحيان قد نُحمِّل أنفسنا ما لا تحتمل، وربما نقسو عليها طلبًا للمثالية وتحقيق الكمال.

وحتى تعيش براحة بال وطمأنينة لا بد من صرف النظر عن عثرات الماضي، والبُعد عن التدقيق في تفاصيل قد فاتت وَزَالَ أثرها، وهذا ما يسمى بالتصالح مع الماضي، والمقصود منه أن يستفيد الإنسان من تجاربه السابقة في تطوير مهاراته والتحسين من سلوكياته، دون أن تكون هذه الأحداث عائقًا لسعادته، مع النظر لحاضره بعين الاهتمام حتى يُحقِّق تطلعاته المستقبلية.

أخي الكريم، اجعل هذه الآية الكريمة دائمًا نُصب عينيك؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].

لذلك تعامل مع ما حولك من فرص بالإمكانيات المتاحة أمامك، ولا تتحسر على فوات ما ليس في وسعك، فالله سبحانه مسبب الأسباب، والله سبحانه قد وصف نفسه كما في الآية السابق ذِكرُها: ﴿ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾؛ يقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: “فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم”.

ولا شك أن للإنسان تطلعات وطموحات يتمنى بلوغها، لكن عليه ألا يرهن رضاه عن ذاته بحصولها، بل بسعيه ومبادرته والتي هي سبب من الأسباب، ثم يتوكل على الذي بيده ملكوت كل شيء جل في عُلاه، إن شاء أعطاه أو مَنَعَه.

وبالنسبة لضعف الثقة بالذات لديك، فهي حسب ما يتضح لي من سردك للمواقف – والله أعلم – أنها بسب الحرص الزائد وخشية الفشل، والذي يبعث في نفسك التردد، وإلا فلَدَيك القدرة على تخطِّي الكثير من العقبات بفضل الله حسب ما ذكرت من إنجازات.

ونصيحتي في الختام: ألَّا تبالغ في التخوف من الإقدام على أي أمرٍ جديد، بل قدِّر الأمور بقدرها، وأعطِها ما تستحق من اهتمام، وعلى سبيل المثال: ما تفضلت بذكره عن موضوع الزواج، وصعوبة الوصول إلى الفتاة المناسبة لعدم وجود الدراية الكافية لديك، فهذا الأمر يتم تجاوزه بتكوين دراية جيدة عن طريقة البحث عن الفتاة المناسبة، وكيفية اختيار شريك الحياة، والاستفادة من توصيات المختصين في المجال الأسري وأطروحاتهم حول هذا الأمر.

سائلًا الله لك التوفيق والسعادة، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.