منتخب الديوك الفرنسي يعبر عن مركز التنوير الأوروبي


الدوحة في 24 نوفمبر /قنا/ يشارك منتخب الديوك الفرنسي في العرس الكروي العالمي للمرة السادسة عشرة في تاريخه عبر بوّابة بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022.

ويأمل مشجعو وعشاق الديوك من أشبال “ديدييه ديشامب” مدرب المنتخب الفرنسي، العودة إلى عاصمة الأنوار مُتوجين باللقب المونديالي للمرة الثانية على التوالي والثالثة في تاريخه.

وجاءت تسمية منتخب فرنسا بمنتخب “الديوك” أو الديكة، بسبب وجود الديك كشعار للاتحاد الفرنسي لكرة القدم، وهو مطبوع على قمصان لاعبي المنتخب الفرنسي في المحافل الدولية الرسمية وغير الرسمية، والذي يعبّر عن جزء من الثقافة الفرنسية.

وتعدّ فرنسا التي ترفع شعار “حرية ـ مساواة ـ أخوة” منذ الثورة الفرنسية إلى الآن، من أكثر الثقافات تأثيراً في عالم اليوم، وهي بلد الفن والموضة والعطور والطعام والأدب، وهي موطن لأقوى العائلات الملكية في أوروبا، ولعبت دور مركز التنوير إبان الثورة الفرنسية، وشهد صعود نابليون بونابرت انتشار النفوذ الفرنسي عبر أوروبا وخارجها لتصبح واحدة من أقوى الإمبراطوريات العالمية خلال القرنَين التاسع عشر والعشرين، وكذلك في الحربَين العالميتَين، ما أسهم في رسم صورة فرنسا التي نعرفها اليوم.

وعادة ما ترتبط فرنسا بعاصمتها “باريس” “مدينة الأضواء”، التي تفخر بوجود أحد أشهر المتاحف على أراضيها عبر العالم وهو “متحف اللوفر”، والذي بدوره يضم لوحة “الجوكندا” للفنان الإيطالي ليوناردو دافينشي، وهي من أكثر اللوحات التي أثارت جدلاً على مر تاريخ الفن، بالإضافة إلى برج إيفل الذي يقف شامخاً في أقصى الشمال الغربي لحديقة شون دو مارس، بالقرب من نهر السين وأصبح رمزاً لباريس.

وتشتهر باريس بكونها موطن العديد من دور الأزياء العالمية الراقية؛ مثل ديور، هيرميس، لوي فيتون، وشانيل. ويرتبط مصطلح “الأزياء الراقية” (haute couture) بالموضة الفرنسية، ويشير إلى الملابس الفاخرة المصنوعة يدوياً حسب الطلب. وهذا المصطلح محمي بموجب القانون في فرنسا، ويجب على دور الأزياء إتباع معايير صارمة لتكتسب الحق في تسمية نفسها “دار أزياء راقية”.

كما تنتشر الأعمال الفنية في كل مكان في فرنسا تقريباً، ويمكن رؤية التأثيرات القوطية والرومانية والباروكية المتأخرة والنيوكلاسيكية في العديد من الكنائس والمباني العامة. ولطالما كانت باريس قبلة الفنانين لاستقاء إلهامهم، وظهرت فيها الحركة الانطباعية ثم حركة “الفن الجديد” (Art Nouveau) المتأثرة بالفن الياباني.

وتشكّلت ثقافة فرنسا والشعب الفرنسي من الجغرافيا، ومن خلال الأحداث التاريخية العميقة التي مرّت بها. وكان الفنانون الفرنسيون منذ العصور الوسطى ومنهم المعماريون ومؤلفو الموسيقى والأدباء من بين قادة الثقافة في أوروبا. وخلال حقب التاريخ المختلفة تم استخدام الطراز الفرنسي في الرسم والموسيقى والمسرح وأشكال فنية أخرى كنموذج في البلاد الأوروبية الأخرى.

وتظهر أشهر الأعمال الفنية للقرون الوسطى في الكاتدرائيات القوطية التي بنيت في الفترة بين أواسط القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر الميلاديين وأكبر مثال لذلك كاتدرائية نوتردام دو باري وكاتدرائيات أخرى في مدن فرنسية عديدة.

وفي كتابها “السرقة من المسلمين.. كيف شكّلت العمارة الإسلامية أوروبا” – الصادر بنسخته العربية عن الدار العربية للعلوم ناشرون – تتتبع ديانا دارك المؤرّخة والأكاديمية البريطانية الجذور العربية والإسلامية للمباني الغربية الأكثر شهرة في أوروبا، وتحاول الكشف عن الأسرار التي تختبئ في قلب العمارة القوطية أو الإسلامية في القرون الوسطى.

ومن المباني التي ترى الكاتبة أن تصاميمها مأخوذة من سلف عربي وعربي إسلامي “كاتدرائية نوتردام”، و”كاتدرائية شارتر” في فرنسا.. و”كاتدرائية ستراسبورغ” وغير ذلك.

كما نجد الشعر من الفنون المهمة للأدب في القرون الماضية، وكان هناك شعراء موسيقيون كتبوا أغاني الغزل باللهجة البروفانسية لجنوبي فرنسا. أما عصر النهضة فكان من أكثر المراحل الثقافية أهمية وقد وصلت حركة الثقافة إلى ذروتها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، حيث ظهر فرانسوا رابيليه أكبر كاتب قصصي فرنسي في عصر النهضة الفرنسية وحاول سبعة من الشعراء الفرنسيين وضع نمط جديد من الشعر الفرنسي على غرار النماذج اليونانية والرومانية القديمة وكان مونتان آخر الأدباء الكبار لتلك المرحلة، وظهر أسلوب المقالة الشخصية بوصفه شكلاً من أشكال الأدب. وظهر فنانون ابتدعوا أسلوبي الباروكي والروكوكو في الفن أمثال: جين بابتست لولي وجين فيليب رامو اللذين اشتهرا في فن الأوبرا ونبغ فرانسوا كوبرين وغيره في التأليف الموسيقي وساهم شعراء كلاسيكيون وأدباء كثيرون في المأساة (التراجيديا) والملهاة (الكوميديا) من أهمهم موليير وراسين وظهر في الفلسفة روني ديكارت.

وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، ذاعت مرحلة ما يُسمى بعصر العقل أو التنوير التي اتسمت بإنجازات فكرية وساد خلالهما الأدب الفلسفي وركز أدباء هذه الفترة على العقل والملاحظة المباشرة بوصفهما أسلوبين لمعرفة الحقائق، وكان من أبرز هؤلاء الأدباء: فولتير، وجان جاك روسو، ودينيس ديدرو. أما الرومانسية التي ظهرت كرد فعل على العقلانية والكلاسيكية، فقد بدأت خلال القرن الثامن عشر الميلادي وكان فيكتور هوجو أكبر شاعر روائي ومسرحي رومانسي، واشتهر ببعض مؤلفاته، أهمها “البؤساء”، بالإضافة إلى وضعه الإسلام ضمن منظور إنساني عالمي، فضلاً عن قصيدته في مدح خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن أشهر الجوائز التي تحتفي بالأدب الفرنسي، جائزة الغونكور (Le prix Goncourt)‏ وهي جائزة مَعنية بالأدب المكتوب باللغة الفرنسية تَمنحُها أكاديمية غونكور سنوياً للعمل النثري، (عادة ما يكون رواية)، الأفضل والأخصب خيالاً في العام، وحاز جوائزها مثقفون وأدباء كثر من العالم العربي، ومن الضفة الأخرى الناطقون باللغة الفرنسية، وأبرزهم الكاتب الطاهر بن جلون ومحمد مبوغر.

ومن المذاهب والحركات الأدبية الأخرى التي ظهرت: الواقعية النقدية والمذهب الطبيعي في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي والانطباعية في أوائل القرن العشرين وتركّزت على التصوير التشكيلي بشكل خاص.

ومن أشهر الأدباء الذين كتبوا رواياتهم ومسرحياتهم في منتصف القرن العشرين جان بول سارتر وألبير كامي. ومن أدباء أواخر القرن العشرين المعروفين آلان روب جرييه ولود كلود سايمون ومارجريت دورا. ومن أشهر الرسّامين بابلو بيكاسو، الذي وُلد في إسبانيا، وجورج براك. كما ظهر فنانون كثيرون في النحت والعمارة والتأليف.

ويوجد في فرنسا 1200 متحف، تستقطب ملايين الزوار. إذ يستقبل متحف اللوفر (Le Louvre) ومتحف دورساي (Musée d’Orsay) وقصر فيرساي وحدهم ما يقارب 15 مليون زائر سنوياً. كما تمتلك معظم مدن الأقاليم أيضاً متحفاً أو أكثر. ومن ناحية أخرى، هناك ما يزيد على 1500 صرح أثري مفتوح للجمهور (8 ملايين زائر سنوياً)، فضلاً عن وجود حوالي 38 ألف مبنى تحظى بحماية وزارة الثقافة بصفتها معالم تاريخية.

وتنتظم في فرنسا العديد من المهرجانات الثقافية والفنية، أشهرها مهرجان “كان” السينمائي الذي يحتفي بالسينما العالمية، بالإضافة إلى معارض الكتاب والمهرجانات الموسيقية التي تحتفي بموسيقى الروك في سانت مالو، والمهرجان غير المحدود في شاموني والجاز والبلوز.

ومن أجل التقارب الثقافي والمعرفي مع العالم العربي، تم تأسيس معهد العالم العربي على ضفاف نهر السين، حيث جرى تمويل بنائه بالتعاون بين الدول العربية وفرنسا منذ سنة 1980، ويُعد رمزاً معمارياً حديثاً للحوار بين الثقافة الغربية والعالم العربي. وقد فتح أبوابه أمام الجمهور في ديسمبر من عام 1987. وجرى تصميم وتنفيذ هذا المبنى على يد فريق من المعماريين مؤلّف من جان نوفيل (مصمم متحف قطر الوطني) ومكتب Architecture الهندسي (مارتين روبان ورودو تيسنادو وجان فرانسوا بون وجان فرانسوا غالميش) إلى جانب جيلبير ليزين وبيير سوريا.

ووضعت فرنسا نصب عينيها نشر ثقافتها ولغتها عبر العالم، فأسّست عام 1970 المنظمة الدولية للفرانكوفونية.

ويشير مصطلح “الفرانكوفونية” إلى الرجال والسيدات الذين يشتركون في معرفة لغة شائعة بينهم، وهي: اللغة الفرنسية. إذ يُقدَّر عدد الناطقين بالفرنسية بأكثر من 300 مليون شخص في خمس قارات.

والمنظمة الدولية للفرانكوفونية هي أيضاً مؤسسة مكرَّسة لتعزيز اللغة الفرنسية والتعاون السياسي والتعليمي والاقتصادي والثقافي بين البلدان الأعضاء البالغ عددها أكثر من 88 بلداً.



رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.