نبيل نعوم يكتب: من المنادي لتويتر







نشر في:
الجمعة 13 مايو 2022 – 8:20 م
| آخر تحديث:
الجمعة 13 مايو 2022 – 8:20 م

من منا لم يشعر بالخوف، إن كان فى طفولته فى صحبة أمه أو أبيه أو أحد أهل بيته؛ حينما فجأة وجد كفه الصغير فى الهواء الطلق وقد تاه عن أهله. حتى ولو كان ذلك لوقت قصير، فهو من أشق الذكريات. وفى فترات تاريخية مختلفة ظهرت مهنة المنادى التى ربما كادت أن تنقرض، وحل محلها لقبا، منادى السيارات الذى يتربع الآن على العرش كملك غير متوج. أما المنادى المقصود هنا، فهو السابق لشبكات التواصل الاجتماعى، ومنها نظام تويتر، والذى كانت مهنته التجول فى المناطق السكنية فى الحوارى بالقرى، أو الشوارع فى المدن، وينادى على الأهالى ممسكا أحيانا بطبلة، ويشتهر بصوته الجهورى، ليبلغهم عن ضياع طفل أو طفلة، معطيا الصفات من السن والهيئة والملابس. كما كان يوصل الرسائل من الجهات الرسمية إلى عامة الشعب. وقد تطور حاليا فى بعض مناطق المدن ليتجول من خلال «توك توك» تعلوه سماعة مكبر صوت، ليخبر عمن تاه من الأطفال، وهو يدعو الأهالى للمشاركة فى العثور على من ضاع، مخبرا عن عنوان ورقم تليفون الأسرة. وهناك دائما وإلى الآن الدور الهام الذى يقوم به المسحراتى فى ليالى شهر رمضان الساهرة والساحرة.
وفى دراسة نُشرت فى مجلة الاتحاد العام للآثاريين العرب فى نوفمبر 2017، عن مهام من حمل لقب المنادى فى مصر القديمة، يقول الدكتور إسلام إبراهيم عامر، أستاذ الآثار، المصرية القديمة بكلية الآداب، جامعة الوادى الجديد: «كانت مهام من حمل لقب المنادى فى عصر الدولة القديمة تتشابه مع الصورة النمطية المعروفة عن تلك المهمة، فهو ناقل الأوامر. وأخذت هذه المهمة فى عصر الدولة القديمة طابعا عسكريا، حيث إنها كانت تطلق على الضابط المسئول عن نقل وإبلاغ الأوامر بشكل متكرر وبصوت عالٍ. وبعد ذلك فى عصر الدولة الوسطى، كانت بداية ازدهار تلك المهنة، التى شهدت مزيدا من المهام الإدارية والقضائية للمنادى. وإذا كانت أدوار المنادى قد تعددت فى عصر الدولة الوسطى، فإنها أصبحت أكثر أهمية فى عصر الدولة الحديثة لارتباطها بالملك مباشرة.
وفى العصور الوسطى وما بعدها فى أوروبا وخاصة فى فرنسا وانجلترا، قامت مهمة المنادى والذى كان غالبا من العسكر أو من أحد موظفى البلديات، على إبلاغ المواطنين برسائل الملوك والأمراء وأيضا كبار الملاك.
ومما يلفت النظر أن ابن سيرين أحد أهم مفسرى الأحلام «32 ه ـ 110 ه»، وضع فى كتاب نُسب إليه، أربعة تفسيرات للحلم بالمنادى أو بالنداء، بين الهم والنكد، وبين الفرح والسرور، حسب صوت المنادى: فإن غلب عليه نبرة بكاء، كان الحلم رمزا للبهجة، والعكس إن غلب عليه الضحك، كان الحلم نذيرا للحزن. حيث إن العكس هو مفتاح تفسير الأحلام عند ابن سيرين.
وهكذا كانت مهنة المنادى تنوب عن دور شبكات الإعلام والتواصل الاجتماعى التى وصل عدد المشتركين بها، حسب إحصائيات تعود إلى يوليو 2021 إلى نحو 4.48 مليار مستخدم، أى أكثر من نصف سكان العالم حاليا، البالغ عددهم 7,87 مليار نسمة. وعلى فرض أن الناس ينامون ما بين 7 و8 ساعات يوميا، فالأبحاث الأخيرة تشير إلى أنهم يمضون نحو 15% من حياة اليقظة يستخدمون وسائل التواصل. أى يمضى العالم أكثر من 10 مليارات ساعة يوميا يستخدم وسائل التواصل، وهذا يعادل نحو 1.2 مليون سنة من عمر الوجود البشرى.
والآن ننتقل من المنادى إلى شبكة التواصل الاجتماعى تويتر التى اشتراها الملياردير ايلون ماسك بمبلغ 44 مليار دولار. وماسك هو أغنى رجل فى العالم، إذ تقدر ثروته حاليا بـ 264,6 مليار دولار.
ومن أجل عيون تويتر، كما يقول المثل، فقدت أخيرا شركة تسلا للسيارات الكهربية التى هو رئيسها التنفيذى، 126 مليار دولار من قيمتها، خوفا من أن يبيع الإمبراطور مسك بعضا من أسهمه فى الشركة، لتمويل مشاركته الشخصية لامتلاك شركة تويتر بمبلغ 44 مليار دولار. ويبلغ عدد المستخدمين لنظام تويتر 217 مليون شخص حول العالم. ورغبة مسك لشراء هذا النظام للتواصل الاجتماعى حسب قوله هو «حرية التعبير الكاملة»، وذلك بالطبع قد يخرج عن قوانين الشبكة فى التحكم فى النشر، لحماية المستخدمين من المعلومات الضارة، ومنها المحرضة على العنف. وقد حذرت بريطانيا والاتحاد الأوروبى المالك الجديد إن خرج عن احترام القواعد التى قامت عليها شبكة تويتر، وإلا لن يسمح لها بالتداول. ومن المعروف مثلا أن الرئيس السابق للولايات المتحدة ترامب قد مُنع العام الماضى من النشر على حساباته فى تويتر، ولمدى الحياة فى 8 يناير 2021، بعد الاعتقاد بنشره ادعاءات كاذبة بأن الانتخابات «سُرقت»، مما أدى إلى هجوم حشد من مؤيديه على مبنى الكونجرس فى الولايات المتحدة. وكمهمة نظام تويتر الذى حل محل المنادى، حاول ترامب إنشاء منصة جديدة للأخبار باسم «الحقيقة للتواصل الاجتماعى»، لنشر أخباره وآرائه، ولكنها لم تنجح إلى الآن.
وبالعودة إلى المنادى، ترجعنا دائما الذكريات لأوبريت العرائس الخالد «الليلة الكبيرة»، التى تصف المولد الشعبى بشكل رائع وممتع، للعباقرة صلاح جاهين وسيد مكاوى وناجى شاكر، ومن إخراج صلاح السقا، والتى عرضت للمرة الأولى فى 1 مايو من عام 1961. ومنذ إنتاج «الليلة الكبيرة»، ظل هذا الأوبريت للعرائس الأكثر شعبية، وصار من أنجح الأعمال المسرحية ليس فقط فى مصر، ولكن أيضا فى العالم العربى. وقد تم تحويلها إلى عمل تلفزيونى فى الثمانينيات من إخراج محمد بيومى. وأُعيد إنتاج الليلة الكبيرة عدة مرات فى قوالب فنية متنوعة كالباليه، وكمسرحية بممثلين بدلا من العرائس.
وفى أوبريت الليلة الكبيرة للعرائس، وقرب نهاية المولد بكل أحداثه الرائعة، وبشخصياته المتعددة، تظهر امرأة تبحث عن طفلتها التى تاهت فى المولد، وتولول وتنادى: «يا ولاد الحلال بنت تايهة طول كده، رجلها الشمال فيها خلخال زى ده».





رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.