تقييمي لمهرجان القاهرة الدورة ٤٤


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

هل غياب النجوم يُحدد نجاح أي مهرجان سينمائي من عدمه؟

بالطبع حضور النجوم والنجمات أمر مهم، لأنه يدعم المهرجان ويجذب الأنظار ويصنع هالة ضوئية وإعلامية براقة من حوله، مثلما يُؤكد على أمر آخر له علاقة بمسئولية الفنان تجاه المشاريع الثقافية والوطنية في بلاده، خصوصاً إذا كان وطنه يمر بظروف صعبة ويخوض مرحلة إعادة البناء كما يحدث في مصر الآن، إذ يُصبح الحضور في مثل هذه الأوقات واجب وطني حتمي. فهل كان النجوم على قدر هذه المسئولية مع مهرجان القاهرة السينمائى الرابع والأربعين؟ وهل مَن غابوا عن مهرجان وطنهم سنراهم على سجادة مهرجان البحر الأحمر؟ إذا حدث ذلك فإن هذا يفتح ملفاً آخر عن براجماتية الفنان النجم.

مع ذلك، ورغم كل ما سبق، فإن غياب النجوم أو حضورهم ليس الفيصل أبداً. لأن مقياس نجاح أي مهرجان سينمائي في العالم يكمن في ثلاثية: البرمجة، والتنظيم، والجمهور. والأضلاع الثلاثة السابقة كانت موجودة بنسب جيدة جداً بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الرابعة والأربعين رغم ظروف عديدة، بينها تبديل الرئيس والمدير الفني بوقت غير كافي، وضعف الدعم المالي واللوجستي.

إشكاليات البرمجة

سأبدأ من البرمجة المتنوعة في القضايا والأفكار، بمعالجات تجمع بين خيوطها الدرامية قدراً من المأساوية والسخرية الكاشفة، البهجة والحزن، ومنها إشكاليات معاصرة كالحروب خاصة أوكرانيا، قضايا الاستغلال البشري بنماذج متباينة، الهجرة، ارتباك الهوية، الاحتلال وآثاره النفسية، الحب وارتباكاته، العلاقات بين الوالدين والأبناء وإشكالياتها المؤرقة، الوحدة، الصداقة وإحباطاتها، العنف بأشكال متجذرة في سن المراهقة وحتى عند البالغين، وهناك الكثير من الأفلام المعروضة بهذه الدورة يمكن تدريسها للطلاب، وتستحق الكتابة عنها لشهور قادمة.

كذلك، كشفت البرمجة عن اهتمام بالعديد من قضايا النساء من زوايا مختلفة، حتى وإن كانت بعيون الرجال من المخرجين. شخصياً لست مؤيدة لفكرة أن يكون هناك إلزام تجاه المهرجان بأن يختار عدد محدداً ـ أو أن يُخصص كوتا للمخرجات النساء – وأختلف مع ما أشارت إليه المخرجة اليابانية ورئيس لجنة التحكيم الدولية في ختام المهرجان. شخصياً أُفضل أن يظل المعيار الفني السينمائي هو الأساس والركيزة الأولى في الاختيار، وأنحاز جدا لما فعله مهرجان فينيسيا السينمائي قبل أربع سنوات حين قال منظموه للنساء: «إما السباحة أو الغرق». شخصياً، أرى أن هذا هو ما يُطور المرأة المبدعة، هذا ما يجعلها تدخل في تحدي ومنافسة مع زميلها الرجل المبدع، لا يجب أبداً أن تكون «الجندرية» هي معيار الاختيار الفني، حتى وإن لم يشارك أي عمل من توقيع المرأة بالمهرجان.

نقاشات للمبدع والناقد

نُضيف أمر آخر شديدة الأهمية للبرمجة وهو الندوات، موائد النقاش، والماستر كلاس التي نظمها القائمون على هذه الدورة، ومقدار التفاعل بين أطرافها وبين الجمهور وأغلبهم من المهتمين وشباب السينمائيين، والعاشقين للفن السابع، ومنها ماستر كلاس المخرج المجري الكبير بيلا تار، واليابانية المتفردة ناعومي كاواسي رغم قلة الحضور نسبياً، والمخرج والممثل الفرنسي ماتيو كازافتيتش، وأهمية المحاضرات الثلاثة أنها أضاءت أشياء على تجاربهم ومشوارهم الشخصي، لكنها أيضا كانت تمنح المستمع قدراً من الثقة والأمل بأن يسير وراء أحلامه مهما كانت مغايرة للسوق وموارد الدعم المالي.

كان هناك حوارات مهمة مع المكرمين المصريين، وأخرى من حول مشوار وتراث الراحلين السينمائي كما حدث مع جان لوك جودار. كذلك من بين الندوات السينمائية المهمة والمتخصصة والمفيدة للمبدع – كما هي بنفس المقدار للناقد – دليل صانعي الأفلام للمؤثرات البصرية. وندوات أخرى كانت تبدو في ظاهرها ترويجية للسينما السعودية، لكن يمكن أن تكون في جوهرها – لمن أراد – دليلاً مهما لتطوير المواهب، وسبل الدعم والتحفيز في أي دولة عربية، فتناقل الخبرات ومحاكاتها أمر بالغ الأهمية.

بناء جسور مع المهرجانات العريقة

على صعيد آخر أتاح منظمو المهرجان الفرصة لطرح العديد من الإشكاليات التي تؤرق المبدع، مثلما تؤرق المخرج السينمائي الشاب، أو حتى الطلاب الذين لازالوا يحلمون بالغد، ومنها حلقة نقاشية عن دورة حياة الفيلم «ما بعد الإصدار السينمائى. مثلما أجابت الحلقة النقاشية حول مهنة مبرمج المهرجان السينمائي عن كثير من هواجس المبدعين الشباب، والحقيقة في تقديري أنها كانت من أفضل الحلقات النقاشية هذا العام، لعدة أسباب: أولاً قدرة مديرتها المخرجة ماجي مورجان على إدارة النقاش باقتدار، ولأنها كانت تعبر عن حال المخرجين وتلتقط أي فرصة بحثاً عن إجابة لأي هاجس يؤرقهم، والأمر الثاني وراء نجاح هذه الحلقة النقاشية هو صدق المبرمجين الأربعة في أحاديثهم، وتلقائيتهم، ونصائحهم المخلصة للشباب، والميزة الإضافية أن المهرجان عبر استضافته لهؤلاء المبرمجين فإنه يُقيم جسوراً للتواصل بين السينما المصرية وبين أربعة من أهم المبرمجين لأشهر المهرجانات الدولية تورنتو، كان، وبرلين وأوسلو، ولعل هذا يفتح مزيداً من الآفاق أمام السينما المصرية في تلك المهرجانات العريقة.

التنظيم وسرعة الاستجابة

لاشك أن التنظيم كان جيداً، وإن لم يخلو من بعض الهنات. الحقيقة أن الشباب على شباك حجز التذاكر «تذكرتي» كانوا متعاونين، ورغم أنهم يعملون وفق «سيستم» وميكنة، لكنهم في كثير من الحالات كانوا أكثر إنسانية وتحلوا بالمرونة لحل بعض المشكلات الخاصة بنفاد تذاكر النقاد والصحفيين، كذلك فريق العمل بالمركز الصحفي تميز بالاستجابة الفورية وحل المشكلات بسرعة فائقة وأخص بالذكر محمد فهمي، وناريمان مطاوع، كذلك مدير المكتب الفني – والمدير الفني السابق للمهرجان – الناقد السينمائي أندرو محسن، والذي أجرينا معه حواراً خاصاً حول ملابسات كثير من الأمور بتلك الدورة يُنشر لاحقاً.

أما يخص الجمهور، وإن كان لا يوجد أرقام محددة حول التذاكر المباعة، لكني سأحكي من خلال من مشاهداتي والعروض التي حضرتها. كان هناك حضوراً جيداً للجمهور في كثير من العروض، خاصة الأفلام التي نالت سمعة دولية ونالت الجوائز، كذلك الأفلام العربية رغم تفاوت مستواها، والأفلام القصيرة التي نفذت جميع تذاكرها في ظاهرة لافتة، إذ كنت أقف في «قائمة الانتظار» حتى أتمكن من مشاهدتها بعد نفاذ التذاكر، وحول كثير من تفاصيل هذا النجاح أجرينا حواراً مع مديرة هذا القسم ماجي مورجان ننشره تباعاً.

التناقض بين نفاذ التذاكر والكراسي الشاغرة

كذلك، شهدت كثير من الماستر كلاس حضوراً قوياً للجمهور خصوصا مع بيلا تار، وعدد آخر من الندوات لم أتمكن من العثور على تذكرة لحضورها. مع ذلك هناك بعض العروض الفيلمية خصوصاً من العروض العربية قِيل أن التذاكر نفذت – كما في «السباحتان» من إنتاج نتفلكيس وإخراج سالي الحسيني، وفيلم «١٩ب» للمصري أحمد عبدالله السيد – لكن أثناء العرض اكتشفت أن كراسي البلكون تقريباً كانت شبه خاوية، وهذا يطرح تساؤلاً حول الأسباب، ولماذا لم تُفعل خاصية «قائمة الانتظار» معهما؟ كما أنه يبدو لي أن إدارة المهرجان لم تقم بفعل جديد لجذب مزيد من الجمهور، لأن هذا الجمهور هو ذاته ما تم التفاعل بينه وبين دورات سابقة، أين باقي طلاب المعاهد السينمائية في مصر، فقد شهد الماستر كلاس للمخرجة اليابانية ورئيس لجنة التحكيم ناعومي كاواسي – حضوراً ضعيفاً. لماذا؟

بمناسبة الحديث عن فيلم أحمد عبدالله، قادني الحظ لأجلس في مكان مرتفع عن الصالة، فأُصبت بصدمة، لأني كنت أشاهد صور الفيلم منعكسة على خشبة المسرح اللامعة، كما أن الإطار العلوي كان يقطع رأس الأبطال والشخصيات.. وهذا خطأ فادح من مصمم الديكور، لأنه انشغل بالجانب الجمالي دون التفكير في ظروف العرض الجيدة للأفلام، وبالطبع المنظمون يتحملون المسئولية، لأنه يجب عليهم في النهاية أن يراجعوا على كل تفصيلة. هذه مسئوليتهم.

افتتاح وختام يجنح إلى المحلية

لاشك أن حفلات الافتتاح والختام في عدد من دورات المهرجان تحت رئاسة السيناريست والمنتج محمد حفظي كانت عالمية بكل المقاييس، لاشك أيضاً أن رئيس المهرجان الفنان حسين فهمي، والمدير الفني المخرج أمير رمسيس كانا يُقدران التجارب السابقة وخبرات الآخرين، واعترفا بأنهما يبنيان علي جهود السابقين، وهذا أمر محمود منهما، لكن المفاجأة أن حفلي الافتتاح والختام كانا يميلان أكثر إلي المحلية. مثلاً؛ حفل الافتتاح منحه الطابع الدولي فقط تكريم بيلا تار، وغرق باقي الوقت في المحلية الشديدة، في الاحتفاء بسمير صبري وكاملة ولبلبلة… حتى فقرة الراحلين خلت من أي شخصية عالمية رغم أن هناك العديد من أبرز مبدعي السينما في العالم رحلوا وبينهم جان لوك جودار، والمثير للدهشة أن المهرجان نظم محاضرة عن تراثه السينمائي، فكيف يحدث هذا في مهرجان سينمائي دولي كان طوال ثمانية أيام يعرض أفلاماً من مختلف أنحاء العالم، ويشارك في نقاشاته وندوات نجوم وصناع أفلام من شتى بقاع الأرض؟؟.

أيضاً كلمات الفنان حسين فهمي عن السينما المصرية كانت قوية، وصادقة، وحقيقية، مع ذلك جاءت الصور المختارة واللقطات الفيلمية ضعيفة جدا لا تعبر عن قوة كلمته ولا عن أهمية وتاريخ السينما المصرية، وتم توظيف مقاطع شاهدناها عشرات المرات على اليوتيوب. كيف يحدث هذا؟

على العكس مما سبق جاء اختيار لقطات جيدة من فيلمي «على الممر»، و«يوميات نائب في الأرياف» في حفل الختام، لكنه ظل محلياً جداً أيضاً، من هنا يجب إعادة النظر في ذلك، خصوصا أننا مهرجان دولي، به نسبة حضور من الصحفيين والنقاد وصناع الأفلام الأجانب الذين يجب أن نخاطبهم، بنفس القدر الذي نخاطب فيه المصريين والعرب.

الإصدارات والترجمة للآخر

والكلمة الأخيرة عن غياب الإصدارات السينمائية، والاكتفاء بكتاب هزيل – مع كل الاحترام للأوراق المشاركة به – لكنه في النهاية غير كافي ولا يليق أبداً بشخصية في قيمة وقدر بازوليني، ولا يصح أن يصدر عن مهرجان في قيمة وعراقة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أبداً. يجب أن تتم إعادة النظر في الإصدارات، ويجب أن يتم التفكير في ترجمة الإصدار حتى يستطيع الضيوف الأجانب التعرف على تاريخنا السينمائي. إذا لم نترجم لهم لن يسعوا ولن يبحثوا، وسوف يقوموا بالترويج لمعلومات خاطئة مثلما فعلوا عندما رحلت مفيدة تلاتلي قائلين بأنها «أول مخرجة عربية»؟ فأين إذن المخرجات المصريات اللائي حملن السينما المصرية على أكتافهن وغامرن بأموالهن في العشرينيات من القرن العشرين. إن لم نترجم فصولاً من تاريخنا السينمائي سنكون شركاء في إهالة التراب على تاريخنا، وطمس هويتنا السينمائية في الوقت الذي يحاول فيه آخرون شراء تاريخ لهم، أو صناعة تاريخ من الوهم، فلماذا نضيع جوهرة حقيقية نمتلكها ونتميز فيها على شعوب المنطقة؟؟



رابط المصدر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.